الشيخ علي المشكيني

26

دروس في الأخلاق

ما ذكرنا ، فسُئل عمّن مات ؛ أين تكونُ روحه ؟ فقال عليه السلام : « مَن ماتَ وهو ماحضٌ للإيمان محضاً [ . . . ] يجعل في جِنانٍ من جِنان اللَّه ، يتنعّم فيها إلى يوم المَآب » « 1 » وشاهدُ ذلك ما حكاه اللَّه تعالى عن قول حبيب النَّجّار بمجرّد قتله ودخوله في عالم البرزخ : « قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ » « 2 » . ومَن ماحضَ الكفر محضاً يجعل في النار ، فيعذّب بها إلى يوم القيامة ، وشاهدُ ذلك قوله تعالى في آل فرعون بعد أن أهلكهم اللَّه : « النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ » « 3 » . والغدوّ والعشيّ من شؤون برزخ الدنيا . وقال تعالى في الضرب الآخر : « إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا » « 4 » . فبيّن أنّ قوماً عند الحشر لا يعلمون مقدار لَبثهم في القبور حتّى يظنّ بعضهم أنّ ذلك كان يوماً ، ولا يمكن ذلك في حقّ مَن لم يزل منعّماً ، أو لم يزل معذّباً إلى يوم القيامة . وهل المنعّم والمعذّب بعد الموتِ الروحُ ، أو الجسد الذي فيه الحياة ؟ الأظهر عندي أنّه الجوهر المخاطب ، وهو الروح التي توجّه إليها الأمر والنهي والتكليف . فيجعلُ اللَّه للأرواح أجساماً كأجسامهم في دار الدنيا ، ينعّم مؤمنيهم ويعذّب كفّارهم وفسّاقهم دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون وتتفرّق وتندرس . وهذا مذهبي في النفس ومعنى الإنسان المكلّف عندي ، ولا أعلم بيني وبين فقهاء الإماميّة وأصحاب الحديث فيه اختلافاً ، انتهى . وقال المحقّق الطوسي فيما يشير إليه الإنسان بقوله « أنا » : فيكون جوهراً عالماً ، والبدن وسائر الجوارح آلاتُه في أفعاله ، ونحن نسمّيه هاهنا : الروح . « 5 » الأمر الثامن : النفس سلطان الجوارح ، وتسلّطها عليها من أنفذ السلطات ، فبإرادتها

--> ( 1 ) . انظر : تصحيح اعتقادات الإماميّة للمفيد ، ج 2 ، ص 88 ؛ بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 81 . ( 2 ) . يس ( 36 ) : 26 - 27 . ( 3 ) . غافر ( 40 ) : 46 . ( 4 ) . طه ( 20 ) : 104 . ( 5 ) . نقل عنه العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 86 .