الشيخ علي المشكيني

23

دروس في الأخلاق

وإرادةٍ . والحامل لها على ذلك اقتضاء تلك الصفات . وينبغي أن يعلم أنّ دعوة الملكات نحو الفعل واقتضاءها له ليست بنحو العلّة التامّة حتّى يستشكل بلزوم الجبر في الأفعال وسقوط الثواب والعقاب ، بل بنحو الاقتضاء والعلّيّة الناقصة ، مع بقاء الاختيار في صاحب السجيّة ، وهذا كمن هو جائع أو عطشان ، وهنا غذاء وماء حرام مع عدم الاضطرار والإلجاء . الأمر الخامس : قد عرفت فيما سبق أنّه قد أطلق على حقيقة الإنسان وجوهر وجوده الذي هو نفسه وروحه أسماء وألقاب في الكتاب الكريم بملاحظة آثار وجوديّة كامنة فيه ، وخواصّ وحالات موجودة فيه ؛ كعنوان النفس ، والقلب ، ونحوهما . والتأمّل في الآيات الكريمة يعطي أنّ إطلاق عنوان القلب عليه في الغالب بلحاظ الحالات والمَلَكات الحاصلة له ، وإطلاق عنوان النفس بلحاظ وقوعه طرفاً للخطاب في التكاليف ، ولاستناد صدور الأفعال ورجوع نتائج الأعمال إليه . فهذا الموجود في اصطلاح الكتاب العزيز قلبٌ من حيث اتّصافه بمختلف الصفات والملكات ، ونفسٌ من حيث وقوعه مخاطباً بالتكاليف مأموراً بامتثالها ومجزياً بها في دنياه وآخرته . فلاحظ ما اسند إلى القلب في الكتاب العزيز من كرائم الصفات ؛ نظير كتابة الإيمان فيه ، وسلامته من الأمراض ، وتقواه ، وتعقّله ، وسكينته ، وطمأنينته ، ورأفته ، ورحمته ، وطهارته ، ووجله من ربّه ، وإخباته لخالقه ، ولينه ، وخشوعه ، ونحو ذلك . ولاحظ أيضاً ما اسند إليه من رذائل الأخلاق ؛ من تكبّره ، وختمه ، وطبعه ، وغلظته ، وشدّة خصومته مع ربّه ، وغفلته ، وغيظه ، وريبه ، ولهوه ، ورينه ، ونحو ذلك . وعلى هذا كان الأنسب أن يسمّى موضوع علم الأخلاق : الإنسان بما هو قلبه . ثمّ لاحظ ما اسند إلى النفس في الكتاب الكريم ؛ من تكليفها بمقدار وسعها ومقدار ما آتاها ، وقبولها الإيمان ، وظلمها لنفسها وغيرها ، وأمرها بالسوء ، وكسبها الحسنات والسّيّئات ، وإلهامها فجورها وتقواها ، وارتهانها بما كسبت حتّى تفكّها ، ووسوستها لنفسها ، وتسويلها أمرها ، واتّباعها هواها ، ووقوعها تحت الحفظ والمراقبة من قِبَل ربّها ، وأخذها وتوفيتها عند النوم والموت ، وإمساكها أو إرسالها بعد الأخذ ، وإماتتها ووجدانها ما عملت يوم القيامة محضراً ، وتوفيتها بما كسبت ، ومجازاتها بما عملت ، ونحو ذلك .