الشيخ علي المشكيني
177
دروس في الأخلاق
الثاني ، وهو الدنيا التي نطق الكتاب الكريم بذمّها وتحقيرها ، وحثّت النصوص المتواترة على تركها والإعراض عنها . وهذا القسم يشمل جميع ما يتعلّق بالإنسان من تنعّماته وانتفاعاته ، وما يسعى في تحصيله من علومه وفنونه ومناصبه ، وما يحصّله ويعدّه لنفسه من أمواله وأولاده ، وكلّ ما يملكه ويدّخره لينتفع به ، كلّ ذلك إذا حصلت من الوجه المحرّم ، أو كانت مقدّمةً للحرام ، أو لوحظت بنحو الأصالة في الحياة ، وكانت مبلغ علم الإنسان ومنتهى همّته ، فتطلق على الحياة المقرونة بجميع ذلك ، والمشتملة عليها حياة الدنيا وعلى نفس تلك الأمور عرض الحياة وزينتها ومتاعها وحطامها وما أشبهها من التعابير القرآنيّة . وظواهر الكتاب والسنّة بعضها مسوق لبيان حال اشتغال الإنسان بها ، وذمّ حبّها ، وتزيّنها في القلب ، ورضا الإنسان بها ، وطمأنينته إليها ، وإيثارها على الآخرة ، وابتغائها ، والفرح بها ، واستحبابها - أي : ترجيحها على الآخرة - والإشراف بها ، وكونها لعباً ولهواً وتفاخراً وتكاثراً ، وغير ذلك من التعابير الكاشفة عن حالات الإنسان ونفسيّاته المتعلّقة بها والمذمومة في الشرع . وبعضها مسوق لبيان ما يرجع إلى حال نفس أعراضها وأمتعتها ، وأنّها حقيرة صغيرة ، وأنّها غرّارة ملهية فانية زائلة ، وأنّها تنفد ولا تبقى ، وأنّها متاع قليل ، ونحو ذلك من التعابير . فمن الطائفة الأولى قوله تعالى : « زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَ تِ » « 1 » ؛ أي : زُيّن نفس شهوات الدنيا ومشتهياتها . وقال : « زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا » ؛ « 2 » أي : نفس الحياة أو ما يقارنها ممّا عرفت آنفاً . وقال : « مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْأَخِرَةَ » « 3 » ، وقال : « مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ » « 4 » ، وقال : « وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا » « 5 » ، وقال : « وَرَضُوا بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا » « 6 » ، وقال : « وَفَرِحُوا بِالْحَيَوةِ
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 14 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 212 . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 152 . ( 4 ) . الإسراء ( 17 ) : 18 . ( 5 ) . الشورى ( 42 ) : 20 . ( 6 ) . يونس ( 10 ) : 7 .