الشيخ علي المشكيني
17
دروس في الأخلاق
صفات جلاله وجماله ، وعلى أن عرّفنا ملائكته القائمين بتدبير أمر العالم من السماء إلى الأرض بإرادته ، وعرّفنا أنبيائه ورُسُله ، ولا سيّما خاتم رُسُله ، وألهمنا الإذعان بما انزل عليهم من كُتبه وشرائعه ، وعلّمنا كتابه المصدّق لما بين يديه من الكتب والمهيمن عليه ، وعرّفنا أوصياء نبيّه ، لا سيما خاتمهم وقائمهم والمستور عن عوالمهم ، ولم يجعل موتَنا ميتةً جاهليّةً ، ورزقنا معرفة كلامه وسنّة نبيّه وأحاديث أوصيائه المعصومين ، كلّ ذلك بمقدار ما تيسّر على عقولنا فهمُه ، وعلى ألبابنا دركُه ؛ فإنّه تعالى « أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ م بِقَدَرِهَا » « 1 » فحمداً له كثيراً على آلائه ، وشكراً له وافراً على نعمائه ، وأنّى لنا بأداء شكره ، والشكر له يحتاج إلى شكر ، وكلّما قلنا : له الحمد ، وجب أن نقول لذلك : له الحمد . الأمر الثاني : أنّه تتعسّر أو تتعذّر للإنسان معرفةُ مسائل علم الأخلاق ، وتميّز محاسن صفات الإنسان عن مَساويها ، بتحصيلها من غير الطرق التي عيّنها خالقه وبارئه ومُبدعه ومُصوّره ومُودع الطبائع والسجايا فيه ، وهي الطرق التي أو حاها إلى أنبيائه عليهم السلام بإبلاغ دينه وشرائعه ، فقد بيّن فيها ما هو كمال النفوس الإنسانيّة ، وما هو جمالها وجلالها ، وما يكون موصلًا لها إليه من الأصول الاعتقاديّة والفروع العمليّة ؛ وذلك لأنّه لا يعرف الإنسان كما يَليق بذاته واستعداده ، ولا يقدر على تربيته وإيصاله إلى كماله الحريّ بشأنه إلّاأنبياؤه وأوصياؤه الذين خلقهم اللَّه لرحمته ، واصطنعهم لنفسه ، واصطفاهم لسفارة خلقه وهداية عباده ، ليكمّلوهم بتعليم الأصول والعمل بالفروع حتّى تتمّ لهم مكارم الأخلاق . وقد علم بذلك أنّ جميع ما تحويه الشرائع السماويّة من القوانين الدَّخيلة في تربية الإنسان ترجع إلى أمور ثلاثة : الأصول الاعتقاديّة ، وهي الأحكام المتعلّقة بالعقائد الباطنيّة ، وموضوعها النفس من حيث عقلها النّظري . والأحكام الفرعيّة والشرائع العمليّة التكليفيّة والوضعيّة ، وموضوعها النفس من حيث عقلها العملي . والأحكام الأخلاقية والشرائع النفسيّة ، وموضوعها النفس من حيث صفاتها و
--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 17 .