الشيخ علي المشكيني

149

دروس في الأخلاق

الرابع . فعمدة الكلام في المقام هو المعنى الثاني ، وعليه فقد يستظهر من أدلّة الباب أنّ الفقر بنفسه أمر ممدوح مطلوب ذو فضلٍ ورجحان ، مندوب إليه في الشرع ، وأنّ الغنى مذموم مبغوض منهيّ عنه ؛ لكنّ الظاهر أنّ الفقر الممدوح مشروط : أوّلًا : بعدم كون حصوله من ناحية قصور المكلّف ، وتقصيره في الحركة والسعي إلى تحصيل رزقه كما أمره اللَّه تعالى ، وإلّافلا حُسن في ذلك ، ولا يكون مشمولًا لما دلّ على فضله . وثانياً : بتقارنه بالرضا والتسليم ، وعدم ظهور الجزع منه والشَّكوى إلى الناس . وثالثاً : بعدم وقوع صاحبه في المعصية من جهته ، وهو ممدوح - حينئذٍ - لرضا الفقير باطناً بقضاء اللَّه تعالى وتسليمه قلباً لأمره ، مع وقوعه في ضيق العيش وضَنك الحياة ، مع أنّ أغلب أهل هذا الفقر يصرفون أعمارهم في سبيل دينهم وطاعة ربّهم وسائر الأمور النافعة لمعاش أنفسهم وإخوانهم ، ولمعادهم عوضاً عن الأوقات التي يصرفها الأغنياء في دنياهم . وأمّا الغنى ، فهو مذموم إذا أورث الحرص على الدنيا ، والغفلة عن اللَّه تعالى ، وعن القيام بالوظائف والطاعات المندوبة أو الواجبة ؛ بل والوقوع في المعاصي ، والانهماك فيها ، كما هو الغالب في هذه الطائفة ؛ ونعوذ باللَّه منها . ولو فرض أنّ صاحب الغنى قد واظب في عين تلك الحالة على ما أراد الشرع منه ، وأدّى حقوق أمواله الواجبة والمندوبة - بل وحصل له توفيق صرف المال في سبيل ربّه وإحياء دينه والخدمة لأهل ملّته بما لا يمكن ذلك للفقير - فلا إشكال في عدم شمول الذموم الواردة في الغنى له . وبالجملة : كم مِن غنيّ لم يشغله غناه عن اللَّه ، وكم من فقير شغله فقره عن اللَّه . فإطلاقات المدح والذمّ في الوصفين محمولة على الغالب ؛ إذاً ، فالحسن عارض للفقر لملازمته أو مقارنته لما هو حَسَن عقلًا أو شرعاً ، والقبح عارض للغنى لتقارنه لما هو مبغوض كذلك . وقال المجلسيّ قدس سره : مقتضى الجمع بين أخبارنا : أنّ الفقر والغنى كلّ منهما نعمة مِن نعم اللَّه يعطيها من يشاء من عباده لمصالح ، وعلى العبد أن يصبر على الفقر ، بل ويشكره ، ويشكر الغنى ، ويعمل بمقتضاه ؛ فمع عمل كلّ منهما بمقتضى حاله ، فالغالب أنّ الفقير