الشيخ علي المشكيني
87
رسائل قرآنى
تصرّف المشتغلين بإجرائها ، وكيفيّة تسلّطهم عليها ، وقدرتهم على إدارتها والاستنتاج منها ؛ وبين من رآها متوقّفة ساكنة لا تصرّف ولا تدبير فيها ، فيرى أجزاؤها وأعضاؤها وعجائب ما فيها من الوسائل والآلات والأدوات ، من دون أن يرى كيفية تسلّط صاحبها وتصرّفه . ثمّ إنّ حصول هذه الرؤية لإبراهيم عليه السلام هل كان بالنحو المعتاد بحصول العلم والبصيرة له بالتدريج ، فوفّقه اللَّه للنظر والتأمّل والتفكّر والتعمّق ، فحصل له من ذلك فوق ما يمكن حصوله لعالم إلهي من تفكّره في خلق السماوات والأرض وتنبّهه على شواهد الربوبية وآيات التوحيد والمعاد والأدلّة الإنيّة على الأصول الاعتقاديّة ، وفوق ما يحصل للعالم الفلكي المتجرّب المتدرّب ، ولعالم الجغرافيا والطبّ وغيرهما ؛ أو كان بإلهام غيبي وإيحاء ربوبي دفعي ، فانكشف له جميع الملكوت انكشافاً تامّاً حصل له المعرفة بها وبأحوالها ؟ وجهان . ثمّ انّ إنكاره عليه السلام في هذه الآيات كون الكواكب والقمر والشمس ربّاً وإلهاً ، وقوله عليه السلام : إنّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذى فَطَرَ السَّماواتِ وَاْلأَرْضَ حَنيفاً وَما أنا مِنَ الْمُشْرِكينَ « 1 » ردّ على المشركين بنحو المجادلة بالتي هي أحسن ، واستدلال على التوحيد بطريق قويم أمتن يترتّبان على العلم الذي حصل له ممّا أراه اللَّه تعالى من الملكوت ، فإنّه بعد أن رأى الجميع ، وعرف أن خلقها من اللَّه ، وتدبيرها بيد اللَّه ، انكشف له انكشافاً وأيقن إيقاناً بأنّ نسبة ذلك الخلق العظيم والتدبير الحكيم إلى وجود شيء ضعيف من أجزاء العالم جماداً كان أو حيواناً كنسبة صنعة المعمل الكبير وتدبيره إلى شيء من أجزائه وآلاته ، أو إلى حيوان يدّب في بعض نواحيه . البحث الحادي والأربعون : أباحها لعباده في أنّ اللَّه تعالى أباح لعباده التصرّف والانتفاع بالأعيان الموجودة فيها في ضمن آيات كثيرة تختلف دلالتها من حيث أقسام التصرّف ، ومن حيث مورد التصرّف ومتعلّقة ، أعني الأعيان الأرضية .
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 79 .