الشيخ علي المشكيني

65

رسائل قرآنى

عليه القرآن في موارد كثيرة ؛ فكيف يكون القيام بما فيهما ممّا يورث الكفر والفسق سبباً لورود نعم اللَّه تعالى عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم وانفتاح أبواب البركات عليهم ، وإن كان لا يبعد أن يقال : إنّ إقامتهم أحكام الكتابين كائنة ما كانت ، وتركهم كيد الناس ومكرهم وأذاهم يكون سبباً لسعة رزقهم في الدنيا ، وإن حرموا عن ثواب الآخرة ؛ لكفرهم ببعض ما أنزل اللَّه إلي النبيّ الأعظم ودينه وكتابه . البحث الثاني والثلاثون : رزق أهلها بيد اللَّه إنّها هي التي ليس من ذي حياة يعيش فيها وتدوم حياته ساكناً على وجهها أو في بطنها من إنسان أو حيوان أو نبات إلّاكان رزقه على ربّه الذي أسكنه فيها ؛ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ « 1 » . والرزق عبارة عن جميع ما يتسبّب به الحيّ لبقاء وجوده ، ويتقوّم به حياته ، وينتفع به في بقائه ؛ فيشمل جميع ما يحتاج إليه للحيوان في عيشه ، من الغذاء والهواء واللباس والمسكن والمركب والزوج والولد والنتاج ، وما يحتاج إليه النبات في بقائه ، من الماء والهواء والنور وغيرها . لكن لم نر إطلاقه على ما يقوم به حياة النبات بالخصوص ، ولا ضير فيه بعد عموم الآية المبحوث عنها . ثمّ إنّه يستفاد من الآية انحصار عنوان الرزق باللَّه تعالى ، فليس في الوجود رازق غيره . واستعمال صيغة المبالغة لعلّه لبيان أنّ لرازقيّته تعالى سعة من جهات شتّى ، فهو رازق كلّ إنسان وحيوان بحري وبرّي ، بل هو رازق الجمادات بإعطاء شرائط تكاملها ، كالجسم يكون لؤلؤ في البحار ، وذهباً وفضّة في المعادن ونحوها . وهو رازق الأجنّة والشياطين أيضاً بإعطاء ما هو من لوازم حياتهم ، وهو رازق كلّ مرزوق منذ أزمنة احتياجه إلى الرزق إلى أن ينتهي عمره . ثمّ إنّ رزقه تعالى لكلّ محتاج إنّما هو على حسب اقتضائه الذي خلق عليه ذاته ، وعلى

--> ( 1 ) . الذرايات ( 51 ) : 58 .