الشيخ علي المشكيني
54
رسائل قرآنى
وأمّا الأجنّة فلم يذكروا في الآية ، ولعلّهم مشتركون مع الإنسان في حمل الأمانة ، كما هو مقتضى تكليفهم . البحث الخامس والعشرون : أسلم له من فيها إنها هي التي أسلمت وخضعت وسجدت للَّهتعالى هي وجميع ما فيها خضوعاً تكوينيّاً ، بمعنى كونها منقادة لأمره ، مطيعة لإرادته ، مدبّرة بتدبيره ؛ وهذا عامّ لجميع من في الوجود . وخضوعاً تشريعيّاً مختصّاً بالعقلاء ؛ فطائفة منهم بإرادة واختيار كالملائكة والمؤمنين من الإنس والجنّ ، وطائفة بالإكراه كبني إسرائيل لمّا أخذ الجبل فوق رؤوسهم مثلًا ؛ قال تعالى : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً « 1 » . وأَسْلَمَ أيخضع وانقاد . وطَوْعاً وَكَرْهاً أيأسلم صنف منهم طوعاً ، وصنف كرهاً كما عرفت . وقال تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمواتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ « 2 » . والمراد بالسجدة هنا مطلق الخضوع الصادق على الانقياد التكويني ، أعني التذلّل والانقياد الذاتي الموجود في جميع الأشياء في قبال عظمة اللَّه تعالى وقدرته وإرادته ، والصادق على الانقياد التشريعي الذي يحصل بالاختيار والإرادة من العاقل المريد ، فيركع ويسجد بالسجود الاصطلاحي لخالقه وبارئه . والشاهد على تعميم السجود للقسمين ذكر الشمس والقمر ونحوهما ممّا لا يسجد إلّا تكويناً ، وذكر كثير من الناس الذين يسجدون بالتشريع غير سجودهم التكويني الذي لا يختصّ بالكثير . ومن ذلك يعلم أنّ كلمة « من » الموصولة أريد بها الأعمّ من ذوي العقول وغيرها تغليباً . فمعنى الآية الشريفة : ألم تتفكّر أو لم تر بعين قلبك أيّها النبي أو أيّها السامع أنّ اللَّه ينقاد له تكويناً جميع الموجودات السماويّة والأرضيّة ، ويسجد له تشريعاً كثير من الناس وكثير
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 83 . ( 2 ) . الحجّ ( 22 ) : 18 .