الشيخ علي المشكيني

53

رسائل قرآنى

فإن قلت : ما الدليل على ترجيح كون المراد من الأمانة أحد الأمرين المذكورين من الإيمان والعمل والخلافة الإلهيّة ، فلعلّه قد أريد بها شيء آخر ممّا قيل في ذلك ، من التوحيد بالخصوص ، ونعمة العقل ، وصفة الإرادة الموجودة في الإنسان مثلًا ، ونفس أعضائه من السمع والعين واللسان واليد والرجل وغيرها . قلت : يشهد بذلك الآية بعدها ، فإنّها تدلّ على كون الأمانة التي تحملّها الإنسان أمر يتّرتب على خيانته النفاق أو الشرك ثمّ العذاب من اللَّه تعالى ، وعلى حفظه وتأديته التوبة منه تعالى والرجوع إلى من حفظه بالإحسان والتفضّل ، وليست هذه الآثار إلّالقبول الإيمان والعمل الصالح ، أو ترك ذلك والمخالفة قلباً ولساناً ، أو قلباً فقط مع إظهار الموافقة ظاهراً ؛ فلاحظ قوله تعالى بعدها : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ « 1 » . فإن قلت : ما الدليل على المطلوب لو ادّعى أنّ المراد من الأمانة الولاية والخلافة الإلهيّة الحاصلة من الإيمان والعمل الصالح . قلت : لم أظفر بما يدلّ على ذلك صريحاً من الآيات والأحاديث ، لكن يقرب ذلك كون هذه الأمانة أمراً عظيماً لم يكن يليق به وبحمله وأدائه إلّاالإنسان ، ولا نتعقّل في جميع ما يكون كمالًا للإنسان شيئاً يناسب هذا الأمر إلّاخلافته عن اللَّه تعالى المشار إليها بقوله : إنّى جاعِلٌ في اْلأَرْضِ خَليفَةً « 2 » فيقرب أن تكون تلك الخلافة الثابتة للإنسان هي هذه الأمانة ، ولا شكّ انّ أثرهما من حيث الخيانة ومن حيث الحفظ والتأدية واحد . ثمّ إنّ القول بأنّ المراد من عرض الأمانة على السماوات والأرض عرضها على أهلها ، نظير قوله تعالى : وَاسْألِ الْقَرْيَةَ ، « 3 » قولٌ غير باطل أيضاً ؛ فإنّ الملائكة من أهل السماء وإن كانوا قادرين على حملها في الجملة كالعقائد وبعض الأعمال ، إلّاأنّهم غير قادرين على بعض الأخلاق والأعمال المختصّة بالإنسان ، ككفّ النفس عن الشهوات ، وترك استعمال المحرّمات مع الميل إليها وهوى النفس لها .

--> ( 1 ) . الأحزاب ( 33 ) : 73 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 30 . ( 3 ) . يوسف ( 12 ) : 82 .