الشيخ علي المشكيني

52

رسائل قرآنى

عدم وجود الاستعداد فيها لقبولها من حيث الاذعان والاعتقاد بأصولها ، والتلبّس والتخلّق بأخلاقها وعملًا بفروعها ؛ بمعنى أنّه قد سبق في علم اللَّه الأزلي عدم هذه القابليّة فيها لو فرض العرض والمقايسة ، لا أنّ اللَّه تعالى احتاج إلى القياس فعلم به ما لم يكن يعلمه من قبل . ولكن الإنسان كان قابلًا لحملها والخروج عن عهدتها في مراحل الاعتقاد والأخلاق والعمل ، وذلك لأنّ الإنسان ظلوم جهول ، أيقابل بحسب الذات لأن يعلم شيئاً ويجهل ، ويعدل في أمره ويظلم . ولأجل ذلك يكون قابلًا في مورد الأمانة أيضاً لأن ينحرف اعتقاداً وأخلاقاً ، وأن يترك ما اعتقده وعلمه عملًا ، فيكون ظلوماً أيخارجاً عمّا ينبغي أن يكون عليه ، وواضعاً نفسه في غير موضعه ، وقابل لأن يجهل ولا يتعلّم ما يجب عليه تعلّمه ، فيكون جهولًا . وهذا شاهد على وجود الاستعداد فيه ، فإنّ العدل والظلم وكذا العلم والجهل من قبيل العدم والملكة ، وأمّا غيره من الجماد والحيوان فليس كذلك . هذا إذا كانت الأمانة بالمعنى الأوّل . وأمّا المعنى الثاني فالأمر فيه أيضاً كذلك ؛ فإنّ الولاية الإلهيّة لا تستعدّ لحملها الأجرام العلويّة والسفليّة ، ويستعدّ لها الإنسان بلا إشكال ، ولا فرق في ذلك الاستعداد بين المؤمن والكافر . فان قلت : ظاهر قوله تعالى : إنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا كونه علّة للحكم السابق عليه ، فيقال حينئذٍ : ما العلّة في تعليل حمل الإنسان للأمانة بهذه العلّة ، ولِمَ لَمْ يعلّل ذلك بأنّه كان ذا استعداد للعدل والظلم ، والعلم والجهل ، أو بأنّه كان عدلًا عليماً ؟ قلت : الظاهر أنّ العلّة وجود الاستعداد لطرفي النقيض للترتب عليه تارة هذا وأخرى ذاك ، إلّا أن اختيار طرف الظلم والجهل في مقام ذكر الأمارة عليها لعلّه من جهة ترجّح طرف الظلم والجهل فيه بحسب طبعه وذاته ، وبمقتضى جبلّته وشاكلته ولو من جهة تأثير أوصاف الوالدين وأفعالهما في وجوده ، أو بني نوعه المحيط به ، أو غير ذلك من جهات التأثير ، كما يشير إليه قوله تعالى : إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا « 1 » .

--> ( 1 ) . العصر ( 103 ) : 2 - 3 .