الشيخ علي المشكيني
452
رسائل قرآنى
والآية تدلّ على تخيير النبيّ صلى الله عليه وآله إذا رفع الكفّار أمرهم إليه بين أن يحكم بينهم أو يتركهم ، وقد دلّت النصوص على أنّه إذا اختار الحكم فليحكم بينهم بحكمنا لا بحكمهم ، ومقتضى عموم أحكام القرآن ولزوم التأسّي بالنبيّ صلى الله عليه وآله جريان التخيير في حقّ كلّ من نصب للقضاء من قِبل المتولّي لأمر المسلمين . آية القرعة : قال تعالى : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ « 1 » ، أي قارع يونس مع أهل السفينة ، فخرجت القرعة باسمه . والمدحض : الساقط بالزلّة والزلق ، والمراد المغلوب بالقرعة ، والمحكوم بالسقوط في البحر . والآية تدلّ على جواز الاقتراع ولو في غير الأموال والحقوق ، ودلّت النصوص على بقاء الحكم في شرعنا أيضاً . وقال تعالى : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ « 2 » ، أي وحرّم اللَّه عليكم الاستقسام ، ومعناه طلب معرفة ما قسم للإنسان من خيرٍ أو شرّ في مقام الإقدام على عمل ، كما كان ذلك دأب أهل الجاهليّة ؛ فإنّهم إذا قصدوا فعلًا عمدوا إلى أقداح كتبوا على أحدها : « أمرَني ربّي » وعلى الآخر : « نهاني ربّي » فما خرج منها عملوا على وفقها . وهذا كان قرعة في الجاهليّة حراماً ؛ لأنّهم كانوا يطلبون بها كشف مشيئة الأصنام ، لا مشيئة اللَّه . وقد يُقال : إنّ الآية تنهى عن مقامرة خاصّة كانت متداولة في الجاهليّة ، فإنّهم كانوا يشترون جزوراً مثلًا بين عشرة رجال وينحرونه ويجزّئونه 28 جزءاً ، ويقتسمونه بالأقداح وهي عشرة ؛ سبعة منها ذوات أسهم ، للأوّل سهم ، وللثاني سهمان ، وهكذا ، فكان للسابع سبعة أسهم ، وثلاثة منها بلا سهم ، فإذا خرج قدح له سهم باسم شخص أخذ نصيبه ، وإذا خرج قدح ليس له سهم أدّى ثُلث ثمن الجزور ، فنتيجة الاستقسام انتفاع سبعة من الجزور حسب نصيبه ، وغرامة ثلاثة ثمنه مع الحرمان عن أكله .
--> ( 1 ) . الصافّات ( 37 ) : 141 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 3 .