الشيخ علي المشكيني

44

رسائل قرآنى

أو انّه لا يخرج بها عن حدّه ، ولا يجاوز بها طوره ؟ فما أشبه إباحة الأرض بزينتها لبني آدم بالجنّة التي أسكن فيها أباهم آدم . ثمّ إنّه تعالى بعد مضيّ مدّة يجعل النبات الموجود فيها يابساً مقطوعاً وزائلًا باطلًا . وقد يقال في معنى الآية : أنّ كون ما على الأرض زينة إنّما هو في نظر شباب الناس حيث زيّنها اللَّه تعالى في أعينهم ليبتليهم ويمتحنهم ، فإذا عمروا وشابوا سقط ذلك في نظرهم عن النضارة ، فصار عندهم كالصعيد الجرز ، فانقطع أملهم عنه عند قرب موتهم ، فارتحلوا والحال هذه . وهذا المعنى وإن كان أنسب من جهة تناسبه مع عموم الموصول في ما عَلَى اْلأَرْضِ ما على الأرض فيشمل البحار والجبال والأودية والأنهار والبناء والهواء وغيرها ، إلّاأنّ ذلك مختصّ ببعض النفوس والصالحين من عباد اللَّه وإمائه ، لا جميعهم ، بل هي عند أغلب الناس حلوة خضرة مطلوبة محبوبة ، وبذلك يشقّ النزع عليهم عند السياق ؛ أعاذنا اللَّه من شدّته . وقال تعالى : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ « 1 » . شبّه اللَّه تعالى حال عيش الإنسان مدّة حياته من أوّل عمره إلى زمان موته بالنبات النامي والزرع النابت على الأرض ؛ فأنزل اللَّه الماء على الأرض ، فاختلط به نباتها ، واشتبك والتفّ بعضه ببعض ممّا يأكل الناس والحيوان ، حتّى إذا تزيّنت به الأرض وتحلّت كعرس لبست أصناف ثيابها ، واغترّ به أهلها ظانين القدرة على حصاده وأخذ غلّته وإدخارها ، أمر اللَّه بإهلاكه بريح أو مطر أو حرّ أو برد ، فجعله كالمحصود ، فكان الأرض لم تزرع . وقوله : لَمْ تُغْنِ مني غنى بالمكان : إذا أقام به وثبت ، أيكان لم تكن موجودة فيها بالأمس . وقال تعالى : كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ « 2 » . والهشيم : المهشوم المكسور . وتذروه : تفرّقه .

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 24 . ( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 45 .