الشيخ علي المشكيني

404

رسائل قرآنى

وقال تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا « 1 » . قوله الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ أي الكفرَة كلّهم ؛ لأنّهم بصدد قتال المسلمين . أو المعنى : ابدؤوا بقتالهم ، أو قاتلوا المقاتلين أنفسهم دون نسائهم وصبيانهم . وقوله لَا تَعْتَدُوا أي لا تتعدّوا من القتل إلى غيره كالمُثلة ، ولا تعتدوا في كيفيّته ، كالقتال بغير إذن الإمام ، أو مفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام ، أو لا تتجاوزوا عمّن يقاتل معه ، كقتال المعاهدين ، وقتل الشيوخ والنسوان والصبيان . وقال تعالى : إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ « 2 » . الزحف هو الحركة متثاقلًا ، كالطفل إذا دَبّ على مقعدته ، وهو حال من فاعل « لقيتم » أو مفعوله . والحرف : الطرف ، والمتحرّف : طالب الطرف . والحيّز : المكان والجهة ، والمتحيّز : من يريده ، والبوء : الرجوع . ومعنى الآية : أنّكم إذا لقِيتم الكفّار وأنتم متثاقلون في الحركة لكثرتكم أو هم كذلك ، فيحرم عليكم تولّي الأدبار بالفرار ، إلّاإذا طلب الفّار طرفاً آخر لقتاله ، أو أراد الالتحاق إلى مكان فئة من إخوانه . وقال تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ « 3 » . ثقف يثقف بالشيء - من باب علم - : ظفر به وأدركه ، وثقف : صار حاذقاً ماهراً . والمراد هنا الأوّل ، والمعنى : اقتلوهم حيثما أدركتموهم من حِلّ أو حرم ، وفي الشهر الحرام وغيره . وهذا حكمٌ كلّي يعمل به إلى أن يرد مخصّص . وقال تعالى : فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ « 4 » . الاعتداء : التعدّي والظلم ، والموصول في « من اعتدى » يشمل الفرد والطائفة ، كما أنّ المخاطب في « عليكم » كذلك ، فالفرد الذي وقع عليه الاعتداء في ماله أو عِرضه أو نفسه ، له أن يجازي المعتدي بما يماثل عدوانه بالقصاص ، والدية في النفس ، وأخذ البدل في المال ، والمطالبة بالحدّ في العِرض . ويرجع في تعيين مصداق المماثل إلى الشرع والعرف ، ونظيره اعتداء طائفة على

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 190 . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 15 - 16 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 191 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 194 .