الشيخ علي المشكيني
40
رسائل قرآنى
عن قدرته فتنزّهه عن العجز ، وبإتقان صنعها محكيّ عن علمه وحكمته فتنزّهه عن الجهل والظلم ، وهكذا . فالأشياء تنزّهه عن النقائص بإظهار أوصافه الكماليّة ؛ فالباء في قوله بِحَمْدِهِ سببيّة . ثمّ إنّ تسبيح الأشياء بالمعنى المزبور هل هو بنحو صرف دلالة الأثر على المؤثّر من غير شعور وإدراك فيها ؟ أو أنّها شاعرة بما دلّت عليه ، فهي كالعبد العالم بعظمة مولاه المنقاد له كمال الانقياد غير مظهر لها بلسانه مع ظهورها من حالاته ظهوراً تامّاً ؟ وجهان . لا إشكال في أنّه يسبق إلى الذهن من ظاهر الآية وجود شعور لها بحيث يصدر تسبيحها عن علم وإدراك ، فلا مانع من القول بذلك . وبعبارة أخرى : أنّه وإن قام الدليل على كون تسبيحها مغايراً لتسبيحنا ، لكنّه لم يقم دليل على عدم صدوره عن إدراك . وعدم دركنا كيفيّة دركها غير ضائر . قال تعالى : يُسَبِّحُ للَّهِ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ « 1 » ، وقال : يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ « 2 » ، وقال : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ « 3 » . واستعمل التسبيح في هذه الآيات في الأعمّ من التكويني والإنشائي . البحث الثاني عشر : أحاط بها علمه تعالى وكتابه إنّها هي التي أحاط علمه تعالى بها بجميع أجزائها وأوصافها وشؤونها وحوادثها الغابرة والمستقبلة ، وظواهرها وغيوبها وبواطنها ، ويعلم ما يلج فيها من الحبوب ، وأصول الأشجار ، ومياه الأمطار ، والكنوز والدفائن وأبدان الأموات وغيرها ، ويعلم ما يخرج منها من عيون وزروع ونبات ومعادن ؛ قال تعالى : وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ « 4 » ، وقال : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا « 5 » . والآيات القرآنيّة في بيان سعة اللَّه بجميع الممكنات والموجودات من السماء والأرض
--> ( 1 ) . الجمعة ( 62 ) : 1 . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 41 . ( 3 ) . الرعد ( 13 ) : 13 . ( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 29 . ( 5 ) . سبأ ( 34 ) : 2 ؛ الحديد ( 57 ) : 4 .