الشيخ علي المشكيني
363
رسائل قرآنى
أقول : لعلّ كلامه رحمه الله مأخوذ مما رواه هشام بن الحكم ، قال : سأل الزنديق أبا عبد اللَّه عليه السلام فقال : أوليس توزن الأعمال ؟ قال : « لا ، إنّ الأعمال ليست بأجسام ، وإنّما هي صفة ما عملوا ، وإنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفّتها ، وأنّ اللَّه لا يخفى عليه شيء » . قال : فما معنى الميزان ؟ قال : « العدل » . قال : فما معناه في كتابه فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ ؟ قال : « فمن رجّح عمله » . « 1 » مع أنّهم لم يبينوا غالباً نفس الأعمال التي توزن أنفسها أو صورها أو صاحبها . فالظاهر أنّ المراد بالموزون هو الأمر الأعمّ من العقائد التي يعتقدها الناس وتكون مورداً للأحكام الإلهيّة ، ومن الأخلاق والصفات العارضة للنفس فضائلها ورذائلها ، ومن الأعمال الجوارحية الصادرة من المكلّفين ؛ فكلّها توزن بالمعنى الذي سنبيّنه ، وتترتّب عليها ما يناسبها من الجزاء بالمثوبة والعقوبة ونحوهما . كما أنّ الظاهر أنّ المراد من توزينها ملاحظة أحوالها وحدودها ، وتطابقها بالأحكام الشرعيّة والعقليّة ، وتخالفها ، وتعيين خصوصيّاتها من حيث كمّها وكيفها ودرجاتها في الحسن والقبح ، وملاحظة مصالحها ومفاسدها ، وسائر الآثار المترتّبة عليها . وبعبارة أخرى : تعيين جميع ما له دَخْل في حُسنها وقُبحها الموضوعين لترتّب الجزاء عليها ؛ فإنّ التوزين ليس إلّالترتيب الأثر الجزائي ، كما تشهد به نفس الآية وغيرها من الآيات . ومن ذلك يعلم أنّ الميزان الذي توزن به الأعمال ليس إلّا القوانين المجعولة الشرعيّة الواصلة إلى المكلّفين في الدنيا بحسب أزمنتهم وأحوالهم ، والأحكام المستقلّة العقليّة فيمن لم يصل إليه ذلك . فالتوزين في الواجبات عبارة عن لحاظ جامعيّتها لحدودها الشرعيّة ، من الأجزاء والشرائط ، والخلوّ عن الموانع ، وكذا منافياتها ومبطلاتها وموانع قبولها ، وحدّ الإخلاص الملحوظ فيها ، ونحو ذلك ممّا يزينها ويحسنها . وفي المحرّمات لحاظ كونها صغيرة أو كبيرة ، ولحاظ آثارها أو المفاسد المترتّبة عليها .
--> ( 1 ) . الاحتجاج للطبرسي ، ج 2 ، ص 98 ؛ بحار الأنوار ، ج 7 ، ص 248 ، ح 3 ؛ وج 10 ، ص 186 ، ضمن ح 2 .