الشيخ علي المشكيني

351

رسائل قرآنى

وقوله : إلّا ما حَرَّمَ استثناء من تلك الحلّية الكلّية ، فقد حرّم يعقوب النبيّ عليه السلام على نفسه شيئاً من الطعام ، لكن لم يعلم أنّه كان تحريماً عرفيّاً بالقصد إلى عدم أكله ، أو شرعيّاً بالنذر ونحوه . وعلى أيّ تقدير فهذا التحريم العرضي لا ينافي الحلّية الذاتيّة عليه وعلى بني إسرائيل ؛ فالاستثناء منقطع . وقد يقال : إنّ المراد من إسرائيل هو وأولاده ، والمعنى : إلّاما حرّم بنو إسرائيل على أنفسهم ولو بالتسبيب بأن طغوا وعصوا ، فحرّم اللَّه عليهم ما حرّم . والاستثناء منقطع أيضاً ؛ إذ الحلّية قبل التوراة لا تشمل بعد نزولها . وكيف كان : فحاصل معنى الآية : أنّ ما يدّعيه اليهود من كون بعض الأطعمة حراماً لبني إسرائيل قبل نزول التوراة باطلٌ فاسدٌ ، بل كان كلّ الطعام حلالًا لهم قبل التوراة ، وإنّما حرّم اللَّه لهم ما حرّم بعد نزولها بلسان نبيّه موسى عليه السلام وبيانه في التوراة . ثم إنّه لم يعلم من الآية الشريفة حدود ما يدّعونه من المحرّمات ، وعدد ما كان حراماً لهم بزعمهم ؛ كما أنّه لا تعرّض فيها للعلّة ، والغرض من دعواهم تقدّم التحريم على نزول التوراة ، فنقول : أمّا المحرّمات عليهم فيظهر شيء منها من بعض الآيات الآخر على نحو الإجمال ، كقوله تعالى : وَعَلَى الَّذينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّاما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الْحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ « 1 » وكلمة « ذي ظفر » تشمل الطيور وجميع ما له مخلب من سباع الوحش . ولا ينافي ذلك كون السباع من الخبائث ، ولذلك حرّمت علينا أيضاً ؛ لأنّ اختصاصهم من جهة عموم التحريم لهم لعدّة من الطيبات أيضاً ، وكذا تشمل البقر والغنم أهليهما ووحشيهما ، وكذا الخيل والبغال والحمير ؛ لصدق ذي الظفر على جميع ذلك . لكن يشكل هذا التعميم للبقر والغنم ، من جهة قوله تعالى : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إذ الظاهر من الكلام أنّ البقر والغنم خارجان عن موضوع التحريم ، وإلّا كان محرّمين بجميع أجزائهما ، كما هو مقتضى نسبة التحريم إلى نفس الحيوان في سائر ذوات الظفر . وعلى أيّ حال لا سبيل لنا إلى العلم بما حرّم اللَّه

--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 146 .