الشيخ علي المشكيني

32

رسائل قرآنى

يستفاد من قوله في النازعات : ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا « 1 » ؛ فإنّه يفيد أنّ خلق الأرض وقع بعد خلق السماوات . قلت : قد يقال إنّ الإشكال مبنيّ على أنّ المراد من الدحو ما ذكره بعض المفسّرين من كونه بمعنى الخلق والبسط ، فيكون آية الدحو والآيتان بعدها متّحدة المعنى مع الآيتين من سورة فصّلت ، أعني قوله : خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ « 2 » ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 3 » ، فإنّه قد جعل إبداع الأرض وتقدير أمورها متقدّماً على خلق السماوات في سورة فصّلت ، ومتأخّراً عنه في سورة النازعات ؛ إذاً فالتنافي ثابت . ولكن الظاهر أنّ المراد من الدحو هو رميها وجعلها بحيث يدور حول شمسها . وبعبارة أخرى : يظهر من قوله تعالى : فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا أنّه قد صدر من اللَّه تعالى خطابان وأمران تكوينيّان : أحدهما متوجّه إلى السماء ، والآخر إلى الأرض ، والظاهر تقدّم الأوّل على الثاني . فالأوّل تعلّق إرادة اللَّه بخلق السماوات السبع من مادّتها الأوليّة التي هي الدخان ، فأمرها بالاتيان كناية عن إرادة تكوّن السماوات منهما ، كما في قوله : كُنْ فَيَكُونُ . « 4 » ويفسّر هذا المعنى قوله : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ . ومعنى إجابتها قبولها الوجود بمجرّد الإرادة من اللَّه بلا اختيار منها . والثاني : هو تعلّق ارادته تعالى بدحو الأرض بالمعنى الذي ذكرناه ، ويفسّرها قوله في النازعات : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا . « 5 » هذا . ولكن ينافيه قوله بعد ذلك : أخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها * وَالْجِبالَ أرْساها « 6 » فإنّ هذا

--> ( 1 ) . النازعات ( 79 ) : 27 - 30 . ( 2 ) . فصّلت ( 41 ) : 9 . ( 3 ) . الرعد ( 13 ) : 3 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 117 . ( 5 ) . النازعات ( 79 ) : 30 . ( 6 ) . النازعات ( 79 ) : 31 - 32 .