الشيخ علي المشكيني
308
رسائل قرآنى
الملّة إلّابالقصاص ؛ فالقتل أنفى للقتل ، وقتل البعض إحياء للجميع ؛ وليكثر المجتمع القتل ليقتل القتل . وأفصح كلمة في المقام وأخصرها وأمتنها وأعلاها قوله تعالى : فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ . وأمّا الحكم بلزوم نقل القاتل إلى المستشفى لمعالجة جنونه ، فهو كلام لا محصّل له ؛ فماذا يردع الإنسان عن قتل من يخالفه إذا علم بأنّه ينقل بعده إلى المستشفى ، ويطعم ويداوى بما يستلذّ به بدنه ، وترتاح فكرته وروحه . وعن الثاني : بأنّ الإسلام لم يحتمّ على الأولياء القصاص ، بل خيّرهم بينه وبين العفو ومطالبة الدية فإذا كان المجتمع منحطّاً في الإدراك ، مغموراً في الجهل والفساد ، ولا يردعهم عن القتل إلّاخوف القصاص اختاروا القتل ، وإذا كانوا امّة راقية كاملة الألباب ، فاضلة الأخلاق ، مروضة النفوس عفوا أو طلبوا الدية ؛ فالحكم الثابت في القرآن حكم عقليّ عقلائيّ متين جدّاً قابل للاستمرار ، وشرع محمّد صلى الله عليه وآله مستمرّ إلى يوم القيامة . بقي الكلام في قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ « 1 » فالمراد من الموصول القاتل ، والأخ هو وليّ الدم ، اطلق عليه استعطافاً وتنبيهاً على أنّه لم يخرج من الأُخوّة الإسلاميّة لأجل قتله ، فلا ينبغي قتله وإن قتل أخاه . والمراد من الشيء القصاص ، وإطلاق الشيء عليه لأنّه شيء من الأمرين الذين يتخيّر الوليّ بينهما لو لم يعف . والاتّباع بالمعروف يكون من الوليّ العافي ، فعليه أن لا يطالب فوق دية النفس ، وأن يرفق في الاقتضاء . والأداء بالإحسان من القاتل المعفو عنه ، فعليه العمل بوظيفة المدين في كيفيّة أداء الدين . وقد يقال بأنّ المراد من الشيء مقدار من القصاص كان أولياء الدم متعدّدين ، فعفا أحدهما عن حصّته ، وهي الشيء من القصاص ؛ فاللازم حينئذٍ اتّباع المعروف بأخذ الدية ، فلا قصاص للآخرين أيضاً ، وبه رواية ، والتفضيل في الفقه .
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 178 .