الشيخ علي المشكيني

281

رسائل قرآنى

نزوله ، والأمد المضروب لبقائه ودوامه ؛ فالقرآن يصدّق بأنّ توراة موسى وقوانينها المندرجة فيها كان حقّاً من عند اللَّه ثابتاً إلى مجيء عيسى ونزول إنجيل ، والإنجيل حقّاً بجميع مندرجاته إلى نزول القرآن . وهذا لا ينافي كون كلّ كتاب منسوخاً بعد مجيء ما ينسخه . وثانياً : أنّ المراد بالتصديق الإقرار بصدق أصل الكتاب ، وامّهات أحكامه القيّمة الثابتة غير المنسوخة ، أعني القدر المشترك الموجود في ضمن جميع الشرائع المحقّق لعنوان الدين ، كما قال تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ « 1 » ؛ فإنّ الدين لا ينسخ ، والشريعة تنسخ ؛ فيرجع تصديق الكتاب إلى بقائه مع ما احتواه من الدين لإبقاء شريعته ، فلا ينافي ذلك نقص بعض الأحكام وزيادة بعضها ، كما فعله عيسى عليه السلام بالنسبة إلى كتاب التوراة ؛ قال تعالى : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . « 2 » وهذا معنى قوله تعالى : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فإنّ المهيمن المسلّط على الشيء ، المراقب لحاله بتغيير وتبديل وزيادة ونقصان ؛ فالقرآن ناظر إلى الكتب السابقة عليه بالنسبة إلى ما تشتمل عليه من الشريعة مغيّر لها بما يقتضيه طبع الزمان ، وتغيّر حال العصر ، وقابليّة العقول ، وفعليّة الاستعدادات . الأمر العشرون : القرآن نزل بنحو الإعجاز ، والتحدّي به على المنكرين من جميع الطبقات . قال تعالى : وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ « 3 » . وقال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ « 4 » .

--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 50 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 23 - 24 . ( 4 ) . يونس ( 10 ) : 37 .