الشيخ علي المشكيني
259
رسائل قرآنى
في الدنيا ودعوه من دون اللَّه ، ومنهم عيسى بن مريم ، مع أنّه من الرسل الذين قالوا : لا علم لنا بالإجابة . وكذلك النبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله يشكو إلى ربّة يوم القيامة ، كما قال اللَّه : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً « 1 » . فلا مناص حينئذٍ عن القول بعدم الإطلاق في آية المائدة لجميع الحالات والمواقف في طول مدّة القيامة ، أو يقال بأنّ المراد إظهار الرسل قلّة علمهم في مقابل علم اللَّه تعالى المحيط بكلّ شيء مبالغةً في ذلك وتأدّباً ؛ فكأنّهم أجابوا بأنّ علمهم مع قلّته ومع كونه بتعليم اللَّه كأنّه ليس بعلم ، وكأنّه ليس لهم علم . لكن الأولى أن يقال : بأنّه لم يظهر لنا كيفيّة عملهم عليهم السلام بأحوال العباد وأفعالهم ، وبإيمانهم وكفرهم ، وأنّه هل يحصل ذلك في الدنيا ويبقى في نفوسهم الشريفة إلى حال أداء الشهادة عند اللَّه تعالى يوم القيامة ، أو أنّ حصوله في الدنيا لا يكون إلّاعند النظر إلى صحائف أعمال العباد وعرضها عليهم في كلّ يوم أو أسبوع - فيكون كاطّلاعنا على مطالب بعض الكتب - يغيب عنهم بعد موتهم ، أو بعد موت أهل الدنيا في طول عالم البرزخ ، ثمّ يتجدّد لهم ذلك في القيامة بتذكير غيبيّ إلهيّ ، أو بالنظر إلى الكتاب الكبير واللوح المحفوظ الذي يحضر لدى الحساب ، أو بالنظر إلى صحائف الأعمال عند نشرها . وبالجملة : يظهر من قولهم عليهم السلام إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أنّ ما سئلوا عنه من إجابة الأُمّة من جملة الغيوب المختصّ علمها باللَّه تعالى ، ولازم ذلك عدم علمهم به عند سؤالهم عنه ، وكونه غيباً بالنسبة إليهم ؛ فيقرب حينئذٍ القول بحدوث العلم لهم بعد ذلك في زمان أو موقف آخر حصل لهم العلم فيه بوضع الكتاب الكبير ، أو نشر الصحائف ، أو غيرهما ، كما قال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ « 2 » ، وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ « 3 » ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ « 4 » .
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 30 . ( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 49 . ( 3 ) . الزمر ( 39 ) : 69 . ( 4 ) . التكوير ( 81 ) : 10 .