الشيخ علي المشكيني
249
رسائل قرآنى
والشهادة إمّا تكوينيّة ، بمعنى أنّ كمال عقائد هؤلاء الأُمّة المتوسّطة واستواء أخلاقهم وصحّة أعمالهم تكون ميزاناً طبيعيّاً لحال الناس شاهدة تكوينيّة بصحّتها ، وسلامتها في أبعادها الثلاثة : العقائد والأخلاق والأفعال ، أو شاهدة بفسادها في تلك الأبعاد . وهذا يكون في الدنيا والآخرة . أو لفظيّة إنشائيّة ، بمعنى أنّهم يشهدون بألسنتهم للناس وعليهم . وهذا لا يكون إلّافي يوم القيامة . ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ « 1 » ، فالمخاطبون فيها - أعني الملّة التي اجتباهم اللَّه وسمّاهم مسلمين - هم الشهداء على الناس في الدنيا جميعهم ، من أهل الكتاب والمشركين وغيرهم على تشتّت فرقهم ومذاهبهم ، شهادة تكوينيّة عند ذوي العقول ، ومن له بصيرة تمييز الحقائق والسنن والقوانين ؛ فعقائدهم تشهد ببطلان ما خالفها ، وأعمالهم تشهد بفساد ما باينها ، وكذلك الرسول يشهد عليهم ، أو أنّهم لمّا اجتباهم اللَّه وصاروا مسلمين فهم يشهدون يوم القيامة على جميع الناس المعاصرين لهم ، أو الجميع والنبيّ يشهد عليهم . وقوله تعالى : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلَاءِ شَهِيداً « 2 » . على هؤلاء أيعلى أُمّتك ، أو على الشهداء . وسيجيء ما يوضحه في ضمن الأخبار . وقوله تعالى : وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً « 3 » . وقوله تعالى : وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ « 4 » . وقوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا « 5 » .
--> ( 1 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 41 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 159 . ( 4 ) . القصص ( 28 ) : 75 . ( 5 ) . النحل ( 16 ) : 84 .