الشيخ علي المشكيني

227

رسائل قرآنى

قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ . ضمير الجمع إمّا راجع إلى القوم الذين تعلّموا السحر من الملكين ، أو إلى اليهود . ومتعلّق الاشتراء صفة السحر واللذائذ الحاصلة بها ، والمعنى : أنّهم علموا أنّ العامل به قد تملّك واشترى المبيع الأدون بأغلى الأثمان ، وهو خلاقهم ونصيبهم من السعادة في الآخرة . وقوله : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا أيلبئس الثمن البخس الذي باعوا به أنفسهم ، أيحظوظهم الأُخرويّة . ففي الجملة الأُولى قد فرض اللَّه الحظوظ الدنيويّة الحاصلة بالسحر مبيعاً والآخرة ثمناً ، وفي الثانية عكس الأمر . وعلى أيّ حال تدلّ الجملتان على أنّ عمل السحر سبب للحرمان عن جميع حظوظ الآخرة وعدم الخلاق لفاعله هناك ، وهذا أيضاً يوافق الكفر . ثمّ إنّ الجملة الأُولى تدلّ على عملهم بالحال وأنّ المعاملة غبنيّة ، والثانية تدلّ على جهلهم بذلك . ويمكن أن يقال : إنّ العلم المثبت علم إجمالي غير مفصّل في عقولهم بشؤونه ، ونتيجته تماميّة الحجّة عليهم ، وأمّا العلم المنفيّ فهو العلم التفصيلي بحدود العمل وحكمه ونتائجه ومفاسده ، وهو الذي لو حصل لأحد منعه قهراً عن الإقدام على ما فيه المفسدة ، وترك ما فيه المصلحة ؛ أو أنّ اللَّه تعالى فرضهم جاهلين ، مع كونهم عالمين ؛ لعدم عملهم بعلمهم . [ الأمر ] الثالث : في حكمه الشرعي . ويدلّ عليه أُمور : الأوّل : قوله تعالى : فَلا تَكْفُرْ فإنّ معناه إمّا لا تسحر ، فهو نهي عن السحر ؛ أو بمعنى لا تكفر باستحلال السحر ؛ فيعلم أنّه من المحرّمات الضروريّة . وأمّا قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وقوله : وَلكِنَّ الشَّياطينَ كَفَرُوا فقد عرفت أنّ السحر في الموضعين مقارن لدعوى النبوّة الباطلة ، أو إنكار النبوّة الحقّة ، وهما حرامان مستلزمان للكفر . وكذا قوله : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ فإنّ اليهود قد اشتروا حظوظ أنفسهم الدنيويّة ببذل الدين ، وإنكار شهادة التوراة ، ونبوّة النبيّ الأعظم ، وهذا كفر بلا إشكال . الثاني : قول موسى عليه السلام : وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ « 1 » ، مع أنّ السحر من مصاديق الكذب و

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 77 .