الشيخ علي المشكيني

195

رسائل قرآنى

وأمّا ثانياً : فلقوله تعالى : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآيتين ؛ « 1 » فإنّ اللَّه قد وعد الحسنى لكلتا الطائفتين المجاهدين والقاعدين ، ولازم ذلك عدم كون القاعدين تاركين للواجب ، وإلّالم يشتركوا في مادّة الفضيلة ، ولم يعدهم اللَّه الحسنى . وأمّا ثالثاً : فلأنّ الغرض منه - وهو إسلام شخص أو مجتمع خاصّ ، أو تحمّلهم شرائط الذمّة - يحصل بفعل البعض قطعاً ، فلا يبقى مجال لإقدام آخرين . وأمّا رابعاً : فلأنّ سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله لم تكن إلّاذلك ، حيث لم يكن يستنفر إلّاعدّة من المؤمنين ، وكذلك في إعزامه صلى الله عليه وآله سريّة إلى محلّ ؛ فالعقل والسيرة شاهدان على المطلوب . ويدلّ على ذلك مضافاً إلى ذلك قاعدة الجرح ، فإنّ نفر جميع المؤمنين إلى الجهاد حرجىّ بلا إشكال ؛ بملاحظة لزوم حمل الأولاد والأطفال والمواشي غالباً ، وكذلك حمل نفقتهم وما يستلزمه نفرهم . وقد استدلّ بهذا صاحب الجواهر رحمه الله . « 2 » وكان عليه أن يستدلّ بقاعدة الضرر أيضاً ؛ لتلف الأموال والأولاد أيضاً على حسب الغالب ؛ فقاعدة الحرج والضرر حاكمتان بعدم الوجوب العيني ؛ هذا . ويمكن الخدشة فيه - مضافاً إلى أنّ ذلك لو ثبت لكان نافياً أصل الوجوب ، لا الوجوب العيني فقط - بأنّ مبنى الجهاد على العسر والحرج والضرر ، فهو من موارد تخصيص القاعدتين كتخصيص قاعدة الضرر بلزوم شراء ماء الوضوء والغسل بأضعاف قيمته ؛ فأيّ حرج وضرر أشدّ من الاقتحام في المعارك وإيقاع النفس في المهالك ؛ فأيسره الجراح وآخره القتل . فإذا فرضنا كون المورد خارجاً عن القاعدتين ، فاللازم اتّباع الدليل الدالّ على الحكم ، إن عينيّاً فعينيّاً ، وإن كفائيّاً فكفائيّاً . وقد عرفت كون مقتضى الجمع بين الأدلّة هو الثاني . ثمّ إنّ صاحب الوسائل قدس سره قد أورد تحت عنوان « وجوبه على الكفاية مع القدرة عليه »

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 95 - 96 . ( 2 ) . جواهر الكلام ، ج 21 ، ص 9 .