الشيخ علي المشكيني

167

رسائل قرآنى

والجواب : أنّك قد عرفت أنّه لا يستلزم الاختلاف التحريف بنحو النقيصة ، فالكلام الإلهي ثابتٌ فيما بين تلك القراءات . وأمّا الزيادة فهي لا تتجاوز عن إعراب أو حرف أو كلمة مثلًا ، وهذا المقدار مع عدم فوت المعنى المقصود لا يعدّ دخول الباطل ، كما أنّ حمل الآية على معنى غير مقصود منها اقتراحاً أو باستحسان ظنّي عقلي ونحو ذلك لا يعدّ من دخول الباطل فيه ، مع بقاء المعنى الحقيقي وظهور الكلام فيه وإن عدّ ذلك تحريفاً إجمالًا كما سبق . الوجه الثالث : أنّ التحريف إمّا أن يدّعى وقوعه في زمن خلافة الشيخين أو خلافة عثمان ، وأمّا دعوى وقوعه في حياة النبيّ الأقدس صلى الله عليه وآله فلا نظنّها من أحد ؛ إذ كيف يعقل ذلك بمرأى من النبيّ ومسمع منه ، مع اهتمامه العظيم بتلاوة كتاب اللَّه على الناس ، ونشره وبيانه ، واهتمام أصحابه بها ؟ وهل يمكن القول بأنّه كان يعاين تغييره وتحريفه والزيادة فيه ونقصانه فلم ينكر ذلك عليهم ؟ أم هل يظنّ أو يتوهّم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يجمع الكتاب الذي أتى به ، ولم ينظّمه نظماً صحيحاً على طبق ما شاء اللَّه وأراده ليورثه الامّة الاسلاميّة تامّاً كاملًا ، ليبقى عندهم بقاء أبديّاً ، وتستضيء منه الأُمّة بعد الأُمّة ، والجيل بعد الجيل ، ويكون متمسّكاً لهم في أحكام عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم لأشخاصهم وجماعاتهم ، أوَ لم يرد اللَّه تعالى ورسوله إلّا هذا ؟ أم يمكن القول بعدم كون ذلك مطلوباً للَّه‌تعالى ورسوله ؟ فجاء بآية بعد آية ، وسورة بعد سورة ، فأخذ كلّ مسلم شطراً منه ، فذهب بسبيله ، فتركه النبيّ وارتحل إلى دار البقاء ؛ وهذا لعمر اللَّه تضييع للكتاب العزيز ، ولإتعاب نفسه الزكيّة وإهدار للدماء الطاهرة التي أهريقت في سبيله ، وهدم للأساس الذي بناه وأسّسه . بل اللازم الواجب عقلًا بمقتضى ما همّه وأراده من نشر الدين وبقائه إلى الأبد أن يجمع القرآن في حياته ، ويرتّبه وينظّمه ويعلّمه ، ويأمر بقراءته وحفظه عن ظهر القلب ، وكتابته في صحف مكرّمة وكتب قيّمه ؛ لئلّا يأتيه الباطل من خلفه كما لم يأته من بين يديه . ويؤيّد بل يشهد بتحقيق هذا الأمر - أعني كونه مجموعاً معيّناً مكتوباً على الصحائف محفوظاً