الشيخ علي المشكيني
165
رسائل قرآنى
فإن قلت : إنّ الاستدلال بظاهر الآية لإثبات عدم التحريف دوريّ ؛ فإنّ نفي التحريف حينئذٍ يتوقّف على ظهور الآية ، وهو متوقّف على عدم التحريف ؛ إذ معه لا يطمئنّ بالظهور ، فمن المحتمل إضافة شيء إلى الآية ، أو إسقاط شيء عنها ممّا له دخل في ظهورها ، فكيف يمكن الاستدلال بها ؟ قلت أوّلًا : أنّ القائل بالتحريف لا يقول بسقوط الظواهر عن الحجيّة بالكلّيّة ، ولزوم الرجوع في أخذ الأحكام والمعارف منها إلى غير الكتاب من السنّة والعقل وغيرهما بدعوى كون وقوع جميع عموماتها وإطلاقاتها وسائر ظواهرها طرفاً للعلم الإجمالي ، وهو مبطل لحجيّتها ، بل لمدّعى التحريف أن يقول : لا علم لنا بحصول خلل في الظواهر أصلًا ؛ إذ لعلّ الساقط من قبيل القصص والأمثال ، أو آية أو سورة مستقلّة غير مرتبطة بالباقي ؛ إذاً فلا تبطل حجّيّة الظواهر . وثانياً : أنّ المسلّم الثابت المأثور عن الأئمّة عليهم السلام جواز الأخذ بالكتاب والتمسّك بجميع ما فيه قراءةً واستدلالًا ، سواء أوقع التحريف فيه أم لم يقع ، كيف وهم كانوا يتمسّكون بالكتاب وظواهره ، وكانوا يرجعون أصحابهم إلى التمسّك به في جميع ما يحتاجون إليه من المعارف الدينيّة وأحكامه ، وهذا أمر تسلّمته الشيعة الإماميّة وغيرهم من فرق المسلمين القائلون بالتحريف وغير القائلين ، فلا قدح في الاستدلال بالظاهر على عدم التحريف . الوجه الثاني : ممّا يدلّ على عدم التحريف قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 1 » . والعزيز : القويّ الذي لا يغلب ، وما بعده بيان له . ثمّ إنّ العزّة والغلبة تلاحظ هاهنا وصفاً للفظ ، والمعنى حينئذٍ أنّ هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة والمتانة والرصانة بمرتبة لا يغلبه ولا يبطله أيّ قاصد للمعارضة والإبطال ، ووصفاً للمعنى ، أيما يحويه من الحقايق والعلوم والمعارف ، والمعنى : أنّ مفاهيمه من الصحّة والمتانة والإتقان بمثابة لا يزدها ولا يبطلها أيّ متفكّر متأمّل ومتدبّر متعمّق ، فقوله : لا يَأْتيهِ الْباطِلُ أيلا يتطرّق إليه أمر باطل
--> ( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 41 - 42 .