الشيخ علي المشكيني

146

رسائل قرآنى

يصحّ هذا الكلام في حقّه ، فلِمَ لم يجعل جميع مَن خلقه كما قصده ؟ ولِمَ لَم يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم ثمّ إلى الجنّة التي وعدها لهم ؟ فالإرادة التبعيّة أمر ناش عن العجز ، ولا يتحقّق في حقّة تعالى . قلت : لا كلام في قدرة اللَّه تعالى ، وأنّه وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً « 1 » وصار كلّهم مؤمنين صالحين أبرار أتقياء ؛ إلّاأنّه تعالى لم يشأ وصول الإنسان إلى كماله بلا إرادة منه واختيار ، بل بعد تعقّل وتفكّر ومعرفة بالطريق السويّ والسبيل الجائر ، ثمّ اختيار أحد الطريقين في كل ما يفعله ويذره ، ولازم ذلك خلقه ثمّ إقامة الحجج والبيّنات عليه ، وإيضاح الطريق وإنارة السبيل لديه ، بحيث لا يبقى لأيّ سالك طريق ريب وشبهة ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 2 » ، لا ترك خلقه بالكليّة ، ولا إجبار ما خلق على الوصول إلى كماله ؛ إذ لا يتحقّق الكمال المقصود في صورة الإجبار ، بل هو نقض للغرض كما هو واضح ؛ قال تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ « 3 » ، قال : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ « 4 » ، وقال : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ « 5 » ، وقال : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ « 6 » ، وقال : وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ « 7 » .

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 99 . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 42 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 256 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 135 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 48 . ( 6 ) . هود ( 11 ) : 118 . ( 7 ) . السجدة ( 32 ) : 18 .