الشيخ علي المشكيني
142
رسائل قرآنى
وقال : انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا « 1 » . وقال : فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا « 2 » . وقال : وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً « 3 » . وقال : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ « 4 » . فما وقع في موارد من الكتاب الكريم من إسناد الإضلال إلى اللَّه تعالى فهو لأحد أمور ثلاثة : أوّلها : أنّه تعالى أودع في خلقه وجبلّته ما يقتضي الانحراف والعدول عن الحقّ من فساد الذات وخبث السريرة ، وتكون العلّة في ذلك بنحو الغالب أفعال الأبوين أو سائر الأرحام المربوطة ، ولا محذور في ذلك من جهة عدم اختياريّته بالنسبة إلى العبد بعد أن وهبه اللَّه العقل المايز بين الخير والشرّ ، وأودع فيه الفطنة ، وأعلمه صلاح ما يفعله وفساده ، فهو مختار في اتّخاذ العقائد وارتكاب الأعمال من جهة قدرته على منع ما يقتضيه الذات عن اقتضائه ، واتّباعه حكم عقله . وعلى هذا فيصّح أن يقال : إنّه ضلّ بنفسه ، وأن يقال : إنّه أضلّه اللَّه . ثانيها : من جهة أنّ اللَّه قد يحدث أمراً للاختبار والابتلاء ، فيكون سبباً لظهور جواهر عباده واهتداء طائفة وضلالة آخرين . فإنّ بعث الأنبياء مثلًا كما هو هدايةٌ لمن له حسن السريرة واستعداد التقوى ، كذلك إضلالٌ لمن فيه خبث السريرة وشقاوة الذات . وكذا إنزال الكتب ، وسائر ما يقع من الحوادث المظهرة لحقائق الأناسي ، كالجهاد ، ووقوع الإنسان في معرض الرئاسة وتحصيل الجاه والمقام وجمع المال والثروة ونحو ذلك ؛ فإنّ كلّ ذلك هداية من اللَّه لطائفة ، وإضلال لآخرين . وثالثها : أنّه كثيراً ما يتّفق للإنسان الإعراض والتولّي بعد تحقّق الهداية التشريعيّة وتمام الحجّة والبيان من عند اللَّه تعالى ، فيمنع اللَّه لطفه وعونه وتوفيقه عن عبده ويكله إلى
--> ( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 9 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 108 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 116 . ( 4 ) . ص ( 38 ) : 26 .