الشيخ علي المشكيني
114
رسائل قرآنى
وهاتان الآيتان ظاهرتان في القول الثاني . وأمّا أرباب القول الأوّل فلابدّ لهم من الالتزام إمّا بخلق جميع الدوابّ والحيوان من الماء غير الإنسان ، فإنّ له جهة اختصاص طبعي تكويني في الخلقة يمتاز عمّا عداه بدفعيّة الخلقة فيه وتدريجيّة الخلقة فيما عداه ؛ اللّهمّ إلّاأن يلتزموا بنظيره في جميع الحيوانات ، وإمّا القول بأنّ المراد بالماء في الآية النطفة ، وأنّ الآية ناظرة إلى بيان حال غير آدم وحوّاء ، بل وغير الموجود الأوّل من سائر الحيوانات . وأمّا الطائفة الثانية فمنها : قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكِةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ « 1 » . والإنصاف أنّ هذه الآية أحسن انطباقاً على القول الثاني ، وهو كون الإنسان كغيره من الحيوان مخلوقاً بنحو التدرّج في التكامل ؛ لأنّ المستفاد من الآية بيان حالات ثلاث للإنسان : الأولى : حال خلقته ، الثانية : زمان تصويره ، والثالثة : زمان سجود الملائكة له ، وهو ما بعد انتخابه واصطفائه . وتكرار كلمة « ثمّ » يدلّ على حصول الفصل الزماني بين الأزمنة ، وهذا حاك عن المراحل التي ذكرناها في ضمن تشريح ذلك القول . وأمّا على القول الأوّل : فاللازم ارتكاب خلاف الظاهر في الآية ، وأقلّه جعل كلمة « ثمّ » الأولى بمعنى الواو ، وحمل الآية على خصوص آدم ، مع أنّها أعمّ . ومنها : قوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ « 2 » . وهذه الآية أيضاً له ظهور قويّ في القول الثاني ، فتدلّ على أنّ اللَّه بدء خلق الإنسان من طين كما سبق ، فصار موجوداً حيّاً ، ثمّ أدام وجوده في الأرض بالنسل الحاصل من سلالة من ماء مهين ، أيالمني ، كما سيجيء . ثمّ سوّاه أيأكمل أجزاءه وأعضاءه حتّى صار على صورة الإنسان ، ونفخ فيه روح العلم على ما ذكرناه .
--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 11 . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 7 - 9 .