الشيخ علي المشكيني

27

تفسير مبسوط

وقوله تعالى : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْللئكَ كَانَ عَنْهُ مَسُولًا » « 1 » ؛ وقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُوالَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ » « 2 » . فهذه الآيات تدلّ على محاسبة الإنسان بما في قلبه ، وإن كان مورد بعضها خاصّاً من حيث السياق . ثمّ إنّ قوله تعالى : « فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ » « 3 » ، يدلّ على أنّ الانحراف في العقائد والأخلاق قد يقع مورداً للغفران يوم القيامة . فنقول : أمّا الأخلاق الرذيلة فلعلّ المغفور منها ما لم يكن مؤثّراً في العمل ولم يكن مصدراً لقبائح الأعمال وفواحشها بأن كان مقهوراً تحت سلطان العقل وممنوعاً من قبله ، وحينئذ فغير المغفور ما كان منشأ لحصول المعاصي ومؤثّراً في القبائح والرذائل . أو يقال : إنّ الصفات الرذيلة إذا كانت مودوعة في النفس وحاصلةً قهراً بلا اختيار من الإنسان ، فهي مغفورة ، وما كانت حاصلة بالتحصيل فهي سبب للعقاب ؛ هذا في الصفات . وأمّا العقائد الباطلة ، فيمكن أن يكون المغفور منها من فروع العقائد الأصولية ، لا من أركانها ، كما إذا اعتقد أنّ المعراج لم يقع من مكّة إلّاإلى المسجد الأقصى ، أو أنّ بعض الأنبياء غير معصوم من المعصية الصغيرة . أو نقول : إنّ المغفور ما كان انحرافه عن قصور ، وغير المغفور ما كان عن تقصير ، فالعقائد الباطلة حتّى الإشراك باللَّه تعالى فضلًا عن سائر ما يعتقده بعض الجهّال ، إذا كانت عن جهل قصوريّ - كأهل بعض الممالك غير الإسلامية ، الذين نشأوا على الكفر والعقائد الخرافية ولم يقرع سمعهم ما ينبّههم ويوقظهم - فهي غير مأخوذ بها ولا يترتّب عقاب عليها في الآخرة ، وإطلاق بعض الآي المزبورة مقيّد بما ثبت من الأدلّةعلى عدم عقابهم ؛ قال تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 4 » .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 225 . . ( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 36 . . ( 3 ) . النور ( 24 ) : 19 . . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 284 . .