ابن حبان

49

صحيح ابن حبان

مؤلف من أجزاء ، وكل جزء منها يشتمل على سور ، وكل سورة تشتمل على آيات ، فكما أن الرجل يصعب عليه معرفة موضع آية من القرآن إلا إذا حفظه بحيث صارت الآي كلها نصب عينيه ، فكذلك يصعب عليه الوقوف على حديث في كتابه إذا لم يقصد الحفظ له ، ثم قال ابن حبان : " وإذا كان ( المرء ) عنده هذا الكتاب ، وهو لا يحفظه ، ولا يتدبر تقاسيمه وأنواعه ، وأحب إخراج حديث منه ، صعب عليه ذلك ، فإذا رام حفظه أحاط علمه بالكل ، حتى لا ينخرم منه حديث أصلا ، وهذا هو الحيلة التي احتلنا ليحفظ الناس السنن . وأنت إذا قرأت هذه الأنواع المذكورة ضمن أقسامها ، وجدت أنه قد تفنن فيها ما شاء ، وأغرب فيها ما شاء ، فهي تصنيفات أصولية منطقية ، لا يكاد يعرفها إلا من وضعها ، ولا يخطر على ذهن الباحث عن حديث ما في أي نوع أثبته ، وهو بعد أن سرد هذه الأنواع قال : " ولو أردنا أن نزيد على هذه الأنواع التي نوعناها للسنن أنواعا كثيرة لفعلنا ، وإنما اقتصرنا على هذه الأنواع دون ما وراءها ، وإن تهيأ ذلك لو تكلفناه " فمن ذاك الألمعي الذي يمكنه أن يلمح ما برق في ذهن ابن حبان من معنى جعله نوعا وأورد تحته حديثا ؟ ومن الذي يستطيع أن يتكلف ما تكلفه ؟ فلا هو أفلح في حمل الناس على حفظ السنن ، ولا ترك كتابا سهل المتناول ، قريب المأخذ ، موطأ الأكناف . ولم يخف الأئمة ما كانوا يعانونه في الكشف عن حديث فيه مع شدة احتياجهم إليه ، فالسيوطي - وهو المتمرس في مطالعة الكتب وقراءتها والتأليف فيها والتصنيف - يتبرم من طريقة ترتيبه ، ويذكر معاناته في البحث فيه ، ويقول في " تدريب الراوي " 1 / 109 : و " الكشف من كتابه عسر جدا " ، ومن قبله الأمير علاء الدين الفارسي الذي رتبه يذكر سبب إحجام الناس عنه ، فيقول : ولكنه لبديع صنعه ، ومنيع وضعه ، قد عز جانبه ، فكثر مجانبه . ولما كانت الحاجة ماسة إلى هذا الصحيح ، فقد احتال الأئمة في تقريبه ، وتوطئة سبله ، وفتح أبوابه ، فسلكوا في ذلك مسلكين اثنين :