ابن حبان
22
صحيح ابن حبان
جدلية شكلية ، حمى وطيسها ، وارتفعت ألسنة لهيبها ، فاضطرت هذا إلى الهروب والفرار ، وذاك إلى الاختباء والتواري عن الأنظار ، وثالث ألقي في ظلمات السجون تلسعه السياط ليل نهار ، والمؤلم والعجيب أن معظم تلك النيران المتضرمة كان منشؤها شرر خلافات لفظية لا طائل تحتها ، ولا تقدم من أمر الدين شيئا ولا تؤخر ، ولا شك أن الحسد الذميم هو الذي يذكي أوار مثل تلك الخلافات التي اتخذت مظهر الدفاع عن الدين ، وذب البدع المزعومة عن أصوله وأحكامه ، ها هو ذا البخاري أمير علم الحديث ، وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، يسأل عن اللفظ بالقرآن ، فيقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأعمالنا مخلوقة . فيتورم لجوابه أنف شيخه محمد بن يحيى الذهلي ، ويصيح قائلا : القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم : لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو مبتدع لا يجلس إلينا . ثم أعلن أنه سيقاطع كل من يذهب بعد هذا إلى البخاري ، فانقطع الناس عنه إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، لكن لم تشتف نفس الذهلي ، ولم يذهب غيظ قلبه ، وضاقت عليه البلد التي تجمعه والبخاري ، فقال : لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد ، فخشي البخاري على نفسه ، وسافر من نيسابور . ولا ننسى أيضا تلك المأساة التي وقع في أتونها من قبل الإمام أحمد بن حنبل ، فقضى ما ينيف على عشر سنوات في سجون خصومه حبيس السياط والعذاب . وابن حبان أيضا لم ينج مما وقع فيه من قبله ، فإن المنزلة الرفيعة التي تبوأها أشعلت الغيرة في صدور حاسديه ، فهم يتربصون به هفوة أو سقطة أو خطأ ، ليملؤوا الدنيا نكيرا عليه ، وينفروا قلوب الخلق عنه ، ويتورط ابن حبان ، فيتفوه بعبارة صاغها أسلوبه في فذلكة الكلام وفلسفة المعاني فيجد فيها المتربصون فرصة ليقيموا عليه الدنيا ، وثغرة يلجون منها ليطعنوه طعنة قاتلة ويستريحوا منه ، وهم عند عامة الناس منصفون ، مقيمون للحد الذي شرعه الله ، لقد تورط ابن حبان ، فقال : " النبوة : العلم والعمل " ، وهذا قول إن أجري على ظاهره حكم على صاحبه بالزندقة ، واستحق به القتل ، وهذا ما حدث ، فقد