ابن حزم

996

الاحكام

نصف صاع شعير ، إلا أنه لا شك أن ما حكته من فعل الناس في ذلك لم يكن عندها حجة ، ولا عملا مرضيا ، ولكن كقولها ، إذا أمرت هي وأمهات المؤمنين أن يخطر على حجرهن بجنازة سعد ، فأنكر الناس ذلك ، فقالت : ما أسرع الناس إلى إنكار ما لاعلم لهم به . وقالوا : وقد وجدنا مسائل مجمع عليها ولا نص فيها ، فصح أنها قياس . قال أبو محمد : قد ذكرنا هذه المسألة في باب الاجماع من ديواننا هذا وتكلمنا عليها ، وبيناها - بعون الله تعالى - غاية البيان ، وأرينا البراهين الضرورية ، على أن ذلك لا يجوز البتة ، وأنها إنما هي أحوال كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر بها وقد علمها . ومن ذلك القراض ، وليس ههنا شئ يقاس عليه جواز القراض ، بل القياس يمنع من جوازه ، لأنه إجازة إلى غير أجل ، وعلى غير عمل موصوف ، وبأجرة فاسدة ، وربما لم يأخذ شيئا فضاع عمله ، وربما أخذ قليلا أو كثيرا ، وهكذا القول في سائر الاجماعيات من المسائل . مع أن قولهم : إنها عن قياس ، خبر كاذب ، ودعوى بلا دليل ، والبرهان قد قام على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين جميع واجبات الاسلام وحلاله وحرامه ، فكل ما أجمع عليه فعن الرسول وبيانه بلا شك ، هذا هو اليقين ، إذ لا يجوز إجماع الناس على شريعة لم يأت بها نص ، فبطل أن يكون قياس وبالله تعالى التوفيق . واعترضوا ههنا على من أجاب من أصحابنا في هذه المسألة بأن قال : الناس مختلفون في القياس بلا شك ، فكيف يجوز أن يجمعوا على ما اختلفوا فيه ؟ وهذا تخليط ظاهر . قال أبو محمد : وهذا جواب صحيح عياني ، لا مجال للشك فيه ، فاعترض بعض أصحاب القياس فيه بأن قال لنا : إنكم تجيزون الاجماع عن سنن كثيرة أتت في أخبار الآحاد ، وقد علمتم أن أخبار الآحاد مختلف في قبولها ، وهذا هو الذي أنكرتم . قال أبو محمد : وهذا تمويه ضعيف منحل ظاهر الانحلال ، لأننا لم ندع إجماع الناس على ما اختلفوا عليه من قبول خبر الواحد وإنما قلنا ونقول : إن