ابن حزم

825

الاحكام

للمستفتين ، وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها برهان يعضدها ، ودون رد لها إلى نص القرآن والسنة ، لان ذلك يوجب الاخذ بالخطأ ، وإذا كان في عصره صلى الله عليه وسلم من يفتي بالباطل فهم من بعد موته صلى الله عليه وسلم أكثر وأفشى ، فوجب بذلك ضرورة أن نتحفظ من فتيا كل مفت ، ما لم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والاجماع . واحتجوا أيضا فقالوا : إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا أسباب الأوامر منه صلى الله عليه وسلم ، وما خرج منها على رضا ، وما خرج منها على غضب ، فوجب اتباعهم في فتاويهم لذلك . قال أبو محمد : فيقال لهم وبالله التوفيق : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مبينا على كل من يأتي إلى يوم القيامة ، لا على أصحابه وحدهم ، فكل سبب من غضب أو رضى يوجب حكما فقد نقلوه إلينا ، ولزمهم أن يبلغوه فرضا بقوله عليه السلام : ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فقد نقلوا كل ما شهدوه من ذلك إذا لم يكونوا في سعة من كتمانه ، وقد أعاذهم الله من ذلك ، ولو كتموا شيئا مما يوجب حكما في الشريعة ، مما سمعوا أو مما شاهدوا ، لاستحقوا أقبح الصفات ، وقد أعاذهم الله من ذلك ونزههم عنه ، فلم يقتصروا رضي الله عنهم على فتاويهم دون تبليغ منهم لما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم وشاهدوه منه ، كما نقلوا إلينا غضبه على الأنصاري الذي أراد أن يقول بالخصوص في قبلة الصائم ، وغضبه على معاذ في تطويله الصلاة إذا كان إماما ، وغضبه على من تنزه عما فعل صلى الله عليه وسلم ، وغضبه على اليهود إذ قال : والذي اصطفى موسى على البشر ، وإعراضه عن عمار إذ تخلق ، وعن عائشة وفاطمة إذ علقتا السترين المزينين ، وسروره بقول مجزز المدلجي في أسامة بن زيد ، وسروره باجتماع الصدقة بين يديه إذ أمر بالصدقة إذ أتاه القوم المجتابون للنمار ، وإشاحته بوجهه المكرم ، صلى الله عليه وسلم وأفضل