ابن حزم

822

الاحكام

الفتنة إذا أفتي بما أفتي ، ولا فرق بينه وبين الحي في هذا ، هذا على أن بعض من يخالفنا في التقليد عكس هذا الامر برأيه ، وهو المعروف بالباقلاني قال : من قلد فلا يقلد إلا الحي ، ولا يجوز تقليد الميت . فكان هذا طريقا من الضلالة جدا ، لأنه دعوى فاسدة بلا برهان ، وقول ، مع سخفه ، ما نعلم قاله قبله أحد . أخبرني أحمد بن عمر العذري ، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البلوي غندر ، ثنا خلف بن قاسم ، ثنا ابن الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي ، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النضري الدمشقي ، ثنا أبو مسهر ، ثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن إسماعيل بن عبيد الله ، عن السائب بن زيد بن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : إن حديثكم شر الحديث . إن كلامكم شر الكلام . فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل : قال فلان وقال فلان ، ويترك كتاب الله ، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس . فهذا قول عمر لافضل قرن على ظهر الأرض ، فكيف لو أدرك ما نحن فيه من ترك القرآن وكلام محمد صلى الله عليه وسلم ، والاقبال على ما قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . واحتج بعضهم في ذلك بقبول قول المقومين لأثمان المتلفات ، والشهادة على أمثالها ، وهذا من باب الشهادة والخبر لا من باب التقليد ، لان الله عز وجل قد أمرنا بالانتصاف من المعتدي بمثل ما اعتدى فيه ، فلم نأخذ عن الشاهد ، بأن هذا الشئ مماثل لقيمة كذا ، شريعة حرمها الله ولا أوجبها ، ولكنا علمناه عالما بتلك السلعة أو تلك الجرحة ، فقبلنا شهادته في ذلك على الظالم ، وليس هذا من باب ، قال مالك وأبو حنيفة : هذا حرام وهذا واجب وهذا مباح ، فيما لا نص فيه ولا إجماع ، وقد أمرنا بالشهادة على الحقوق ، وبقبولها وبالحكم بها ، وكل ما أمرنا به فليس تقليدا ، فينبغي لمن اتقى الله عز وجل ألا يلبس على المؤمنين ، فليس في كتمان العلم وتحريف الكلم عن مواضعه ، أشد ولا أضر من أن يضل المرء جليسه ، الذي أحسن الظن به ، وقعد إليه ليعلمه دين الله عز وجل ، يسمي له باسم التقليد المحرم شريعة حق ، ثم يدس له معها التقليد المحرم ، فيكون كمن دس السم في العسل ، والبنج في الكعك ، فيتحمل إثمه وإثم من اتبعه إلى يوم القيامة .