ابن حزم
751
الاحكام
الرعونة ، فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى ، ولا يؤمنون به ، فظهر يقين فساد قولهم وتمويههم بهذه الآية . وقالوا : إنما منعنا من نكح في العدة ودخل بها أن ينكحها في الأبد ، لأنه استعجل نكاحها قبل أوانه ، قالوا : وكذلك حرمنا القاتل الميراث لأنه استعجله قبل أوانه . قال على : وهذه علة مفتقرة إلى ما يصححها ، لأنها دعوى فاسدة ويقال لهم : ومن أين لكم أن من استعجل شيئا قبل أوانه حرم عليه في الأبد ؟ ثم لم يلبثوا أن تناقضوا أسخف تناقض فقالوا : من تزوج امرأة ذات زوج فدخل بها ، فأتى زوجها لم تحرم عليه في الأبد ، بل له نكاحها إن طلقها زوجها أو مات عنها . وهو قد استعجله قبل أوانه ، ويلزمهم أن من سرق مالا لغيره أن يحرم عليه في ملكه في الأبد ، لأنه استعجله قبل وقته ، وأن من قتل آخر أو تحرم عليه أمته في الأبد ، لأنه استعجل تحللها قبل أوانه ، ويلزمهم أيضا ألا يرث ولاء موالي من قتل ، لأنه استعجل استحقاقه قبل أوانه ، وأن من قتل لا يدخل في حبس معقب عليه بعد موت مقتوله ، وألا يرث من انتقل التعصيب له إليه بعد موت مقتوله ، وهذا كثير جدا . فإن قالوا : قد يمكن أن يموت هو قبل مقتوله ، قلنا : وقد يموت هو قبل موت مقتوله باعتباط ونحو ذلك ولا فرق . وأصحاب مالك يلزمون الطلاق ثلاثا من يشك أطلق ثلاثا أم أقل ، ويفرقون بين من طلق إحدى امرأتيه ، ثم لم يدر أيتهما المطلقة وبينهما معا ، فيطلقون كلتا امرأتيه ويحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام ، وفي هذا عبرة لمن اعتبر ، ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في قطعهم بالتحريم وبالتفريق من مواقعة الحرام في تحريمهم ما لم يحرمه الله تعالى ؟ وقد علم كل ذي دين أن تحريم المرء ما لم يصح تحريمه عنده حرام عليه ، فقد وقعوا في نفس ما خافوا بلا شك ، ومن العجيب أن خوف الحرام أن يقع فيه غيرهم - ولعله لا يقع فيه - قد أوقعهم يقينا في مواقعتهم يقين الحرام ، لأنهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى ، ومحرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق . والعجب كل العجب أنهم يحتاطون بزعمهم على هذا الذي جهل أي امرأتيه طلق خوف أن يواقع التي طلق وهو لا يعلمها ، فيكون قد أوقع حراما لا يعلمه