ابن حزم
805
الاحكام
قال : كان أبو هريرة يحدث أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت الليلة رؤيا ، فعبر لها أبو بكر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبت بعضا وأخطأت بعضا فقال : أقسمت يا رسول الله - بأبي أنت - لتحدثني بالذي أخطأت فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقسم . قال أبو محمد : فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله بغير برهان يصححه ، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان منه - على طريق إرادة الخبر - ما لا يوافق إرادة ربه تعالى ، لم يقره تعالى على ذلك حتى يبين له ، وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد رام من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين له وجه خطئه فيما عبر ، فلم يفعل صلى الله عليه وسلم . وأما ما تعلقوا به بما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي بكر وعمر : لولا اختلافكما على ما خالفتكما فأول ذلك أن هذا خبر لا يصح ، ولو صح لكان حجة في إبطال تقليدهما ، لان الامر الموجود فيهما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاخذ برأيهما في أمور الدنيا ، ففرض علينا اتباعه صلى الله عليه وسلم ، وألا نأخذ بقولهما في أمور الشريعة ، وهذا بين . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بما لا يقدر عليه ، ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده عليه السلام قد اختلفوا اختلافا شديدا ، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها : إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه ، وهذا ما لا سبيل إليه ، ولا يقدر عليه ، إذ فيه الشئ وضده ولا سبيل إلى أن يورث أحد الجد دون الاخوة بقول أبي بكر وعائشة ، ويورثه الثلث فقط ، وباقي ذلك للاخوة على قول عمر ، ويورثه السدس وباقيه للاخوة على مذهب علي . وهكذا في كل ما اختلفوا فيه ، فبطل هذا الوجه ، لأنه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه فهذا وجه . أو يكون مباحا لنا بأن نأخذ بأي ذلك شيئا ، وهذا خروج عن الاسلام ، لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا ، فيحرم كل واحد منا ما يشاء ، ويحل ما يشاء ، ويحرم أحدنا ما يحله الآخر ، وقول الله تعالى : * ( اليوم