ابن حزم
803
الاحكام
افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم ، فإن المؤمن - أو قال المسلم - يفتتن ثم يتوب ، وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد ، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا ، وما لم تعلموا فكلوه إلى عالمه ، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح ، ومن لا فليست بنافعته دنياه . قال أبو محمد : رحم الله معاذا ، لقد صدع بالحق ، ونهى عن التقليد في كل شئ ، وأمر باتباع ظاهر القرآن ، وألا يبالي من خالف فيه ، وأمر بالتوقف فيما أشكل . وهذا نص مذهبنا . وبالله تعالى التوفيق . ومن العجب احتجاجهم بهذا الخبر ، ولا يدري أحد لماذا ؟ فإن كانوا أرادوا بذلك تقليد معاذ ، وأنه كان يسن السنن ، فقد جاء عنه أنه كان يورث المسلم من الكافر فيقلدوه ، وإلا فقد لعبوا بدينهم ، وإن كانوا يحتجون به في إيجاب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي ، فهذا حمق ما سمع بأظرف منه وأين تقليد معاذ من تقليد هؤلاء . واحتج بعضهم بقوله تعالى : * ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) * . وبقوله تعالى : * ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) * وبقوله تعالى : * ( وكلا وعد الله الحسنى ) * وبقوله عز وجل : * ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) * فقالوا من أثنى الله تعالى عليه فقوله أبعد من الخطأ وأقرب من الصواب . واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الحديث الذي فيه : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا : إن الصحابة من رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا وقال بعضهم ، : قول الخلفاء من الصحابة حكم وحكمهم لا يجب أن ينقض واحتجوا بقوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * وبما روى من : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . قال أبو محمد : كل هذا لا حجة لهم فيه ، بل الآيات التي ذكرنا حجة عليهم ، أما قوله تعالى : * ( محمد رسول الله والذين معه أشداء ) * وقوله : * ( لقد