ابن حزم
685
الاحكام
مسلم ، ثنا زهير بن حرب ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الأخرى ، وأما الكافر فيعطى بحساب ما عمل بها لله في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأننا لم نقل إن الكافر ينعم في الآخرة إذا مات على كفره ، وإنما قلنا : إن بعض أهل النار أشد عذابا من بعض وهذا إجماع الأمة ، ونص القرآن والسنة الذي من خالفه كفر ، وهذا الحديث حجة لنا عليهم ، لان الكافر إذا أسلم فهو مؤمن ، فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلمه حسنة مما عمل من حسنة في حال كفره ثم أسلم ، فهي داخلة تحت هذا الوعد الصادق المضمون إنجازه ، فصح أنه يجازى بها في الآخرة ، فصح قولنا يقينا وبالله تعالى التوفيق . وكذلك قوله تعالى : * ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) * قال أبو محمد : وهذا بيان جلي على أن السبب المانع من قبول نفقاتهم هو الكفر ، فإذا ارتفع ذلك ارتفع السبب المانع من قبول نفقاتهم ، فإذا ارتفع ذلك السبب فقد وجب قبول النفقات ، وهذا نص القرآن والسنة وبالله تعالى التوفيق . وأما وقت لزوم الشريعة فإنها تنقسم قسمين : شريعة تعتقد ويلفظ بها ، وشريعة تعمل ، وتنقسم هذه الشريعة قسمين : قسم في المال ، وقسم على الأبدان ، فأما شريعة الأموال فهي لازمة لكل صغير وكبير وجاهل بها ، وعارف ومجنون وعاقل ، لدلائل من النص وردت على العموم في الزكاة والاجماع على وجوب النفقات عليهم ، وأما شرائع الأبدان والاعتقاد ، فإنها تجب بوجهين : أحدهما : البلوغ مبلغ الرجال والنساء ، وهو البلوغ المخرج عن حد الصبا . والثاني : بلوغ الشريعة إلى المرء . وأما الحدود فإنها تلزم من عرف أن الذي فعل حرام وسواء علم أن فيه حدا أم لا . وهذا لا خلاف فيه وأما من لم يعرف أن ما عمل حرام فلا حد عليه فيه ، وبرهان ذلك قول الله تعالى : * ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) * فإنما جعل تعالى وجوب الحجة ببلوغ النذارة إلى المرء وقال تعالى : * ( وأعرض عن الجاهلين ) * ، فأمر أن يهدر فعل الجاهل ، وقال تعالى : * ( لا تخونوا الله والرسول