ابن حزم

661

الاحكام

الباب السابع والعشرون في الشذوذ قال أبو محمد : الشذوذ في اللغة - التي خوطبنا بها - هو الخروج عن الجملة ، وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما ، واختلف الناس في ذلك المعنى . فقالت طائفة : الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم ، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الاجماع من كتابنا هذا ، والحمد لله رب العالمين ، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح ، والشذوذ مذموم بإجماع ، فمحال أن يكون المرء محمودا مذموما من وجه واحد ، في وقت واحد ، وممتنع أن يوجب شئ واحد الحمد والذم معا في وقت واحد ، من وجه واحد ، وهذا برهان ضروري ، وقد خالف جميع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في حرب أهل الردة ، فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم ، فكان هو وحده المصيب ، فبطل القول المذكور . وقالت طائفة : الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ، ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه ، وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا ، وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ ، وليس حدا للشذوذ ولا رسما له ، وهذا الذي ذكروا - لو وجد - شذوذ وكفر معا لما قد بينا في باب الكلام في الاجماع ، أن من فارق الاجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر ، مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال ، وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون ، ثم يخالفهم واحد منهم ، والذي نقول به - وبالله تعالى التوفيق : إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم ، والجماعة والجملة هم أهل الحق ، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة ، وقد أسلم أبو بكر