ابن حزم
646
الاحكام
ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) وقال تعالى : * ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) * وقال تعالى : فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فإذا وردت الأقوال ، فاتبع كلام الله تعالى ، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به ، وما أجمع عليه جميع المسلمين ، فهذا هو صراط الله تعالى وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة ومن الاختلاف المكروه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى ، وهذا هو الذي أجمع عليه جميع أهل الاسلام قديما وحديثا ، فإن لم يكن قط مسلم إلا ومن عقده وقوله : إن كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام فرض قبوله ، وأنه لا يحل لاحد معارضته بشئ من ذلك ولا مخالفته ، وبقيت سائر الأقوال المأخوذة من تقليد فلان وفلان ، ومن القياس ، ومن الاستحسان ، وهي الاختلاف المذموم الذي لا يحل اتباعه ، فمن تركها فقد ترك الاختلاف ، وأصحاب أولئك الأقوال كلها مأمورون بتركها والرجوع إلى حبل الله تعالى وصراطه ، فإذا تركوها فقد تركوا الاختلاف والفرقة ، ورجعوا إلى الفرض عليهم من الاتفاق اللازم ، ولهذا قلنا بفسخ قضاء كل قاضي قضى به بخلاف النص ، وسواء قال به طوائف من العلماء أو لا ، قال الله عز وجل : * ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) * فاستثنى تعالى من رحم من جملة المختلفين ، وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم ، ومن ظن أن قوله تعالى : * ( ولذلك خلقهم أنه يعني وللرحمة خلقهم ، وأرادوا بذلك استباحة الاختلاف ، فهو في غاية الفساد ببرهانين ضروريين . أحدهما : أن الله تعالى استثنى من رحم فأخرجهم من جملة المختلفين ، فلو أنه تعالى خلق المختلفين للرحمة لاستثنى المرحومين من أنفسهم ، ولأخرجهم من جملة أنفسهم ، وهذا باطل لا يجوز ومحال في الكلام لا يفهم . والبرهان الثاني : أن المختلفين موجودون ، وكل موجود عن حالة ما ، فلا شك عند كل مسلم أنه تعالى إنما خلقه ليكون على تلك الحالة ، وصح يقينا بلا مرية أنه الاختلاف الذي هم عليه بالعيان خلقهم ، إلا أن يقول قائل : إن الضمير الذي في خلقهم وهو الهاء والميم راجع إلى من رحم ، فيكون المراد حينئذ استثناء المرحومين