ابن حزم

613

الاحكام

مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية . وذكر الحديث ، وفيه أن سهيلا كاتب النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يأتيه من المشركين أحد وإن كان على دين الاسلام إلا رده إلى المشركين - قالا : وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عاتق ، فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل . حدثنا عبد الله بن ربيع ، نا محمد بن إسحاق ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا أبو داود ، ثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية . فذكر الحديث وشرط قريش في رد من جاء مسلما إليهم وفيه : ثم جاء نسوة مهاجرات مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق . قال أبو محمد : فإذا نسخ الله تعالى عهد نبيه عليه السلام وعقده وشرطه ، فمن هذا الجاهل الذي يجيز هذا الشرط لاحد بعده ، تبرأ إلى الله من ذلك . قال أبو محمد : وهكذا القول في حديث أبي رافع أنه منسوخ ببراءة على أنه حديث ننكره ، وإن كنا لا نعلم في سنده علة ، ولكنا نعجب منه ، لان أبا رافع كان مولى النبي صلى الله عليه وسلم مولى عتاقة ، فكيف صار مع مشركي قريش رسولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزول براءة كان بعد إسلام جميع قريش وبعد حديث أبي رافع بلا شك . قال أبو محمد : فلما لاح بكل ما ذكرنا أنه لا حجة في شئ مما ذكرنا لمن أجاز النذور والعقود والشروط والعهود على الجملة إلا ما عين بنص أو إجماع ، على أنه لا يجوز منها ، رجعنا إلى القول الثاني فوجدناه صحيحا ، ووجدنا النصوص التي احتجوا بها مبينة مفسرة قاضية على هذه الجملة التي احتج بها خصومهم ، وجدنا النصوص شاهدة بصحة قولهم . فمن ذلك نص النبي عليه السلام وهو الذي قال فيه الله تعالى : * ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فقال عليه السلام : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، كل شرط في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، شرط الله أوثق وكتاب الله أحق فصح بهذا النص .