ابن حزم
731
الاحكام
ثم بعد هذا كله : من له بأنها كانت بكرا ؟ ولعلها ثيب ، أليس في هذا الاحتجاج عبرة لمن اعتبر ، ولعلها بكر عانس وهو لا يرى إنكاح هذه إلا بإذنها ورضاها ، فكيف والاحتجاج بالآية لا يصح لما قدمنا من أن شرائع الأنبياء عليهم السلام لا تلزمنا ، ومن شرائع الخضر عليه السلام قوله تعالى : * ( حتى إذا لقيا غلاما فقتله ) * ثم قال : * ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) * . قال أبو محمد : ولا خلاف في شريعتنا أنه لا يحل قتل غلام خوف أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، ومن شريعة نوح عليه السلام : * ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا ) * . قال أبو محمد : فأخذ بهذا الأزارقة واستباحوا قتل الأطفال وغاب عنهم أن قول نوح عليه السلام إنما كان فيمن كان في عصره من الكفار فقط ، الذين أهلكهم الله تعالى ، ولم يبق لهم نسلا بقوله تعالى : * ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) * وبقوله تعالى ( ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا ) * ولم يحمل نوح مع نفسه عليه السلام إلا المؤمنين فقط من قومه وولده ، وغاب عنهم بجهلهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم هو ولد كافر وكافرة ، وأن عمر كذلك ، وقد قال عليه السلام : أوليس خياركم أولاد المشركين ، ونحن نترك الكفار ولا نقتلهم ، بل نأخذ منهم الجزية ، وننكح إليهم ونعاملهم ، ونأكل ذبائحهم ، ولا نستحل قتل طفل من أطفال أهل الحرب عمدا ، بل يهديهم الله بنا ، ولا يضلوننا والحمد لله رب العالمين ، وقد نقل كافة بني إسرائيل أن موسى عليه السلام قتل صبيان أهل مدين ، وقتل يوشع صبيان أهل أريحا الأطفال بأمر الله تعالى بذلك ، وهذا في شريعتنا غير جائز . ومن شريعة يونس عليه السلام قوله تعالى : * ( إذ ابق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين ) * . قال أبو محمد : فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة وقد مضى الكلام في ذلك ولا خلاف بين أحد منا أنه لا يجوز أن يلقى أحد في البحر بالقرعة . ومن شريعة مريم عليها السلام : * ( اني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا ) * وليس هذا من شرط الصوم عندنا .