ابن حزم
710
الاحكام
وإن أمسك عن كل ذلك لا بنية الرياء ولا بنية الطاعة كما أمر ، فليس مطيعا ولا عاصيا ، وإذا لم يكن كذلك فليس صائما ، وإذا لم يمسك بنية الطاعة عن ذلك في صوم الفرض في الوقت الذي أمر فيه بالامساك عن كل ما ذكرنا فهو عاص ، لأنه خالف ما أمر به وهكذا القول في رمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف والسعي . وكذلك سائر الأشياء كلها . فمن أكل الشعير مؤثرا بالبر المساكين ، ناويا للبر في ذلك ، ففاضل محمود ، ومن أكله لؤما وبخلا وخزن البر مستكثرا للمال . فمذموم آثم ، ومن مشى راجلا وحمل متاعه بيده ، تواضعا لله تعالى لا بخلا ولا دناءة ، وتصاون عن الخسائس مع ذلك ، وتصدق ناويا بكل ذلك ما ذكرنا ، فهو فاضل محمود ، ومن فعل ذلك بخلا ودناءة فمذموم ، وإن فعل بنية رياء ففاسق ، ومن أنكح بنته عبده أو علجا - كما فعل ضرار بن عمرو - تواضعا ونيته التسوية بين المسلمين ، وهو مع ذلك عزيز النفس غير طمع ولا جشع ففاضل محمود عند أهل العقول ، رائض لنفسه الغضبية ، ومن فعل ذلك طمعا أو مهانة نفس فمذموم ساقط ، ومن لبس الوشي المرتفع الذي ليس حريرا بنية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فمأجور فاضل ، ومن لبسه بنية التخنث والأشر والاعجاب ففاسق مذموم ، وهكذا جميع الأعمال ، أولها عن آخرها ، فصح أن لا عمل أصلا إلا بنية كما ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : أنتم تقولون فيمن أعتق في نفسه أمته أو عبده ، ونوى عتقهما وأمضاه نية صحيحة ، إلا أنه لم يلفظ بعتقهما أنهما لا يكونان بذلك حرين ، ولا يكون هو معتقا لا عند الله ولا في الحكم ، فإن العبد والأمة باقيان مملوكين له كما كانا . وتقولون فيمن طلق في نفسه ، ونوى الطلاق إلا أنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الطلاق : إنه لا يكون مطلقا بذلك لا عند الله ولا في الحكم ، وإنما امرأته حلال له كما كانت ، حتى أنكم تقولون : إنه إن لفظ بلفظ ليس من ألفاظ الطلاق ونوى به الطلاق ، إنه لا يلزمه بذلك طلاق وإنها امرأته كما كانت حلال له في الحكم والفتيا معا . وتقولون : إن من وهب نيته أو تصدق بنيته بشئ من ماله مسمى ، ولكنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الهبة أو الصدقة إنه بذلك غير واهب ولا متصدق ،