ابن حزم

708

الاحكام

والأهواء المضلة بلا دليل من الله تعالى ، فإن قال قائل منهم : إنما أمر الله تعالى بغسل أعضاء الوضوء فغاسلها ، وإن لم تكن له نية قد غسلها ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : ما أمر الله تعالى قط بغسلها مجردا عن النية بذلك للصلاة وبيان ذلك في الآيتين اللتين ذكرنا . وفي الحديثين اللذين نصصنا وأيضا : فإن الصلاة حركات من وقوف وانحناء ووضع رأس بالأرض ، فإن فعل ذلك إنسان متمددا ومتأملا شيئا بين يديه ومستريحا ، حتى أتم بذلك ركعتين في وقت صلاة الصبح لا ينوي بذلك صلاة الصبح أتروه يجزيه ذلك من صلاة الصبح المفترضة عليه ؟ وهذا ما لا يقولونه فقد حصلوا على التناقض . فإن احتجوا في الصيام بما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل على عائشة فيقول : أعندكم طعام فإن قالت : لا . قال : إني صائم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق . لا حجة لكم في ذلك لأنه ليس فيه نص على أنه صلى الله عليه وسلم استأنف الصوم من حينئذ وجائز أن يكون صلى الله عليه وسلم سأل : هل عندكم طعام وهو قد نوى الصيام ، فلو وجد طعاما أفطر عليه وترك الصوم ، كما روى من طريق عائشة أنها قربت إليه طعاما فأكل وقال صلى الله عليه وسلم : إني كنت أصبحت صائما وهذا جائز لنا نحن أيضا ، وأما عمل بلا نية فلا سبيل إليه ، لما قدمنا قبل . فإن قالوا : فإنكم تجيزون غسل النجاسة بلا نية ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق : إن كل نجاسة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزالتها بعمل موصوف وبعدد محدود بلا بد في إزالتها من النية ، ولا تجزى إلا بالقصد إليه تأدية العمل المأمور به فيها ، وإلا فلا ، وأما كل نجاسة أمرنا باجتنابها فقط ، دون أن يجد لنا فيها عمل أو عدد فكيف ما زالت فقد زالت وقد اجتنبناها ، وأيضا فإنه لولا الاجماع ما أجزنا ذلك ههنا . وأيضا فإن لباس الثوب النجس حلال إلا في الصلاة وفرض الصلاة ، أن يصلي قاصدا بنيته إلى لباس وثياب طاهرة عنده لا نجاسة فيه ، فإذا صلى في ثوب هذه صفته ، ناويا لذلك فقد أدى فرضه كما أمر بالنية التي أمر بها ، وليس غسلها فرضا ، لا يجزي سواه ، بل لو قطعها أو انقطع موضعها من ثوبه ، أو لبس ثوبا آخر أجزأه ، فحسبنا أن يكون الثوب طاهرا لا نجاسة فيه ، ولا نبالي كيف زالت النجاسة عنه ، ولا فرق بين إجازة مالك النية للصوم لرمضان في أول ليلة منه ،