ابن حزم

701

الاحكام

قال أبو محمد : وهذا باطل ، لأنه لو كان كذلك لكان داود مفهما لها ، لأنه كان يكون حاكما بأمر أمر به قبل أن ينسخ ، ولما كان سليمان أولى بالافهام منه . وقال بعضهم : حكم بدليل منصوب لم يوافق فيه الحقيقة وحكم سليمان فوافق الحقيقة . قال أبو محمد : والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق : إن داود عليه السلام حكم بظاهر الامر ، مثل ما لو حكمنا نحن بشهادة شاهدين عدلين عندنا ، وهما في علم الله عز وجل المغيب عنا مغفلان ، فأطلع الله تعالى على غيب تلك المسألة سليمان عليه السلام . فأوحى إليه بيقين من هو صاحب الحق فيها ، بخلاف شهادة الشهود أو نحو ذلك مما أفهم الله تعالى سليمان فيه بيقين عين صاحب الحق ، فهذا وجه تلك الآية الذي لا يجوز خلافه ، لبطلان كل تأويل غيره ، ولقوله تعالى في الآية نفسها : * ( وكلا آتينا حكما وعلما ) * فصح أن داود بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى في تلك المسألة ، وأن سليمان - عليهما جميعا السلام - حكم فيها بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى فيها بالفهم الزائد لحقيقتها . وأما ادعاء المرأتين في الولد ، ودعاء سليمان عليه السلام بالسكين ليشقه بينهما ، فإن سليمان عليه السلام إنما أراد اختبار صبرهما ، ولم يهم قط وبشق الصبي ، وإنما دعا بالسكين موهما لهما بذلك ، وقد يكون الله تعالى أمره بذلك كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام ، ولم يرد قط تعالى ذبحه ، وإنما أراد اختبار صبر إبراهيم عليه السلام ، واختبار صبر المرأتين فقط ، ثم نهاه عن شقه ، إذ لاح أيتهما أمه . كما نهى إبراهيم عن ذبح إسماعيل فهذا أيضا وجه ظاهر حسن ، والله أعلم . وأما أمر موسى والخضر عليهما السلام ، فإن الخضر نبي موحى إليه ، ولم يفعل شيئا من كل ما فعل باجتهاد ، كما يظن من لا عقل له ، وإنما فعل كل ذلك بوحي أوحاه الله إليه . وبيان ذلك نص الله تعالى بأن حكى عنه أنه قال لموسى : * ( وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) * وأما سؤال موسى عليه السلام له عن ذلك فإنما فعله ناسيا لعهده ، ولسنا ننكر أن تنسى الأنبياء عليهم السلام ، وقد صلى نبينا صلى الله عليه وسلم خامسة ناسيا وسلم من ثلاث ومن اثنين ناسيا . وهذا الذي قلنا هو نص القرآن في قوله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال للخضر : * ( لا تؤاخذني بما نسيت ) * .