ابن حزم
698
الاحكام
الاحكام والمسائل وتمييزه لها ، فهذه معاني الأسماء المذكورة في قولهم : فلان حافظ ، وفلان عالم ، وفلان فقيه . فإن قال قائل : أيجوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فالجواب : أنه فيما لم يؤمروا به ولا نهوا عنه ، ولكنه مباح لهم ، جائز كاجتهادهم فيما يجعلونه علما للدعاء إلى الصلاة ، ولم يكن ذلك على إيجاب شريعة تلزم ، وإنما كان إنذارا من بعضهم لبعض ، كقول أحدنا لجاره إذا نهض للصلاة : قم بنا إلى الصلاة ، حتى إذا نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بما وافق رؤيا عبد الله بن زيد الأنصاري أبطل كل ما كانوا تراضوا به ، وقد اجتهد قوم بحضرته صلى الله عليه وسلم فيمن هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، فأخطأوا في ذلك حتى بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم من هم ، ولم يعنفهم في اجتهادهم ، وقد أخطؤوا فيه ، ولكن بين عليه السلام أنهم لم يصيبوا ، وأن الحق في خلاف ما قالوا كلهم . فإنما يجوز الاجتهاد في تأويل مثل هذا ، وفيما يعرف به بعضهم بعضا بحضور الصلاة وما أشبه ذلك ، وأما في إيجاب فرض أو تحريم شئ أو ضرب حد ، فحرام أن يجوز فيه لاحد اجتهاد برأيه فقط ، أو قول بوجه من الوجوه ، لأنهم كانوا يكونون بذلك شارعين ما لم يأذن به الله ، ومفترين على الله تعالى ، وقد نزههم الله تعالى عن ذلك وكل ما جاز لهم رضوان الله عليهم أن يجتهدوا فيه فهو جائز لنا ، ولكل إلى يوم القيامة ، وما حرم علينا من ذلك وغيره فقد كان حراما عليهم ولا فرق . وقد أفتى أبو السنابل باجتهاده في المتوفى عنها زوجها وهي حامل ، فأخذ بآية الأربعة أشهر وعشرا فأخطأ ، وهو مجتهد فله أجر واحد لأنه لم يصب حكم الله تعالى . وأما حديث معاذ فيما روي من قوله : أجتهد رأيي ، وحديث عبد الله بن عمر وفي قوله : أجتهد بحضرتك يا رسول الله ، فحديثان ساقطان . أما حديث معاذ فإنما روي عن رجال من أهل حمص لم يسموا ، وحديث عبد الله منقطع أيضا لا يتصل . فإن قال قائل : أيجوز للأنبياء عليهم السلام الاجتهاد ؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق .