ابن حزم

694

الاحكام

له الفتيا وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين ، أو أن يحكم بين اثنين ، وحرام على الامام أن يقلده حكما أو يتيح له فتيا ، وحرام على الناس أن يستفتوه لأنه إن لم يكن عالما بما ذكرنا ، فلم يتفقه في الدين ، وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق ، وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف ، ولا نهى عن منكر ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان على الناس قال تعالى : * ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) * . وهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر ، لأنه لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه ، ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من يميزه . فإن كان مع ما ذكرنا قويا على إنفاذ الأمور حسن السياسة حل له القضاء والامارة ، وإلا فلا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : يا أبا ذر إني أحب إليك ما أحب لنفسي ، إنك ضعيف فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم ، وكان أبو ذر رضي الله عنه ممن له أن يفتي ولم يكن ممن له أن يقضي ، لأنه لم يكن له حسن التأتي في تناول ما يريد ، بل كانت فيه عجرفة ومهاجمة ، ربما صار بها منذرا وقد أمر عليه السلام معاذا وأبا موسى - إذ بعثهما قاضيين على اليمن ، ومعلمين للدين ، وأميرين بأن ييسرا ولا ينفرا ، هذا على عظيم فضل أبي ذر وكريم سوابقه في الاسلام ، وزهده وورعه ورفضه للدنيا ، وثباته على ما فارق عليه نبيه صلى الله عليه وسلم ، وصدعه بالحق ، وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، وتقدمه على أكثر الصحابة . فحد الفقه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن ، ومن كلام المرسل بها ، الذي لا تؤخذ إلا عنه ، وتفسير هذا الحد - كما ذكرنا - المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها ، والمعرفة بأحكام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخه ومنسوخه ، وما صح نقله مما لو يصح ، ومعرفة ما أجمع العلماء عليه ، وما اختلفوا فيه ، وكيف يرد الاختلاف إلى القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة . وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا ، جاز له أن يفتي بها ،