ابن حزم
692
الاحكام
والاختلاف ، ومن أين قال كل قائل ، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة ، فحسن ، وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل ، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص ، وكل هذا منصوص في القرآن . قال تعالى : * ( ليتفقهوا في الدين ) * فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن ، وأحكام أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ، لان هذين أصل الدين ، وقال تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) فوجب بذلك تعرف عدول النقلة من فساقهم ، وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم . وأما معرفة الاجماع والاختلاف ، فقد زعم أن هذا يجب بقوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * قال : ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولو الامر منا ، لأننا مأمورون بطاعتهم ، ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه . وأما معرفة الاختلاف ، ومعرفة ما يتنازعون فيه ، ومعرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة فبقوله تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) * ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ، ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة ، لأننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه ، فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة ، فنخطئ ونعصي الله تعالى ، إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه . قال أبو محمد : وهذا خطأ ، لأننا إنما أمرنا تعالى بطاعة أولي الامر فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لاحد أن يفعله ، ولا حل لاحد قط أن يطيع من فعله . وقد توعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على هذا أشد الوعيد ، فكيف على من دونه قال تعالى : * ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ئ لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ئ فما منكم من أحد عنه حاجزين ) * فصح أن من قال في الدين بقول أضافه إلى الله تعالى فقد كذب ، وتقول على الله تعالى الأقاويل . وأن من لم يضفه إلى الله تعالى ، فليس من الدين أصلا ، لكن معرفة الاختلاف علم زائد ، قال سعيد بن جبير : أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف ، وصدق سعيد ، لأنه علم زائد ، وكذلك معرفة من أين