ابن حزم
487
الاحكام
لان الذي فعل حق للمدفوع إليه لا للدافع ، فليس كاسبا على غيره بل فعل فعلا واجبا على كل أحد أن يفعله ، أمر بذلك أو لم يؤمر ، لأنه قيام بالقسط . قال الله تعالى : * ( كونوا قوامين بالقسط ) * وقال تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى ) * ومن البر إيصال كل أحد حقه . وأما القاضي والأمين يعزله الأمير فليس للامام أن يضيع أمور المسلمين فيبقيهم دون من ينفذ أحكامهم ، لكن يكتب أو يوصي إلى القاضي أو الوالي إذا أتاك عهدي فاعتزل عملنا . فإن لم يفعل كذلك فكل حكم أنفذه المعزول قبل أن يعلم العزل بحق فهو نافذ ، لأنه لم يكلف علم الغيب ، وقد ظلم الامام إذ عزله دون تقديم غيره ، والظلم مردود ، ومن باع مال غيره أو تأمر فحكم فوافق أن صاحب ذلك المال المبيع قد كان وكله قبل أن يبيع ما باع ، ولم يعلم الوكيل بذلك ، أو وافق أن الامام قد كان ولاه ما تأمر عليه ، ولم يعلم هو بذلك ، فكل ما فعل فمردود منسوخ ، لأنهما غير مطيعين بما فعلا ، بل هما عاصيان لان الطاعة عمل من الأعمال والأعمال بالنيات ، ولا نية لهذين فيما فعلا لأنهما لم يفعلا كما أمرا بل كما لم يؤمرا . كما قلنا قبل فيمن صلى إلى جهة ولا يشك أنها غير القبلة . فوافق أنها القبلة فصلاته فاسدة ، لأنه لم ينو الطاعة المأمور بها ، وكذلك من باع فوافق أنه ماله ولا يعلم ، أو قد ورثه أو استحقه فبيعه ذلك مردود أبدا ، وكذلك هبته وصدقته لو وهبه أو تصدق به . وكذلك لو كان عبدا فأعتقه . ويرد كل ذلك لأنه عمل لم يعمل بالنية التي أبيح له أن يعمله بها ولا عمل إلا بنية . وأما من لقي امرأة فظنها أجنبية فوطئها فإذا هي زوجته . فإنها تستحق بذلك جميع المهر وتحل لمطلقها ثلاثا ، لان الوطئ لا يحتاج فيه إلى نية ، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم بوطئ في الكفر ، ولو تزوجها وهو عاقل ثم جن فوطأها في حال جنونه لاستحقت في ماله جميع الصداق بلا خوف ، ويلحق به الولد بلا خوف فصح أن الوطئ لا يحتاج فيه إلى نية بإجماع . وأما من صام رمضان وهو لا يدري فوافق رمضان فلا يجزيه . وكذلك الصلاة يصليها وهو لا يدري أدخل وقتها أم لا . لأن هذه الأعمال تقضي نية مرتبطة بها لا يصلح العمل إلا بها . فإن امتزجت بغير تلك النية أو عدمت ارتباط