ابن حزم
482
الاحكام
جهار بالمعصية لله تعالى وخلاف أمره ، وتحكم في الدين بلا دليل نعوذ بالله من ذلك . قال أبو محمد : ومما نسخت فيه السنة القرآن ، قوله عز وجل : * ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) * فإن القراءة بخفض أرجلكم وفتحها ، كلاهما لا يجوز إلا أن يكون معطوفا على الرؤوس في المسح ولا بد ، لأنه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه ، لأنه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان ، لا تقول ضربت محمدا وزيدا ، ومررت بخالد وعمرا ، وأنت تريد أنك ضربت عمرا أصلا ، فلما جاءت السنة بغسل الرجلين صح أن المسح منسوخ عنهما . وهكذا عمل الصحابة رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال عليه السلام : ويل للأعقاب والعراقيب من النار وكذلك قال ابن عباس : نزل القرآن بالمسح . قال أبو محمد : والنسخ تخصيص بعض الأزمان بالحكم الوارد دون سائر الأزمان ، وهم يجيزون بالسنة تخصيص بعض الأعيان ، مثل قوله عليه السلام : لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وما أشبه ذلك ، فما الفرق بين جواز تخصيص بعض الأعيان بالسنة ، وبين جواز تخصيص بعض الأزمان بها ؟ وما الذي أوجب أن يكون هذا ممنوعا ، وذلك موجودا ؟ فإن قالوا : ليس التخصيص كالنسخ ، لان التخصيص لا يرفع النص ، والنسخ يرفع النص كله . قيل لهم : إذا جاز رفع بعض النص بالسنة - وبعض النص نص - فلا فرق بين رفع بعض نص آخر بها ، وكل ذلك سواء ، ولا فرق بين شئ منه . قال أبو محمد : وقد أقروا وثبت الخبر ، بأن آيات كثيرة رفع رسمها البتة ، ولا يجوز أن ترفع بقرآن ، إذ لو رفعت بقرآن لكان ذلك القرآن موجودا متلوا ، وليس في شئ من المتلو ذكر رفع لآية كذا مما رفع البتة ، فوجب ضرورة أن ما ارتفع ، رسمه من القرآن فإنما رفعته سنته عليه السلام ، وإخباره أن ذلك قد رفع وهذا نفس ما أجزنا من نسخ القرآن بالسنة ، فإن قالوا : إنما رفع بالانساء ، قيل لهم : الانساء ليس قرآنا ، وإنما ذلك هو فعل منه تعالى وأمر بألا يتلى . قال أبو محمد : ومما نسخ من القرآن بالسنة قوله تعالى : * ( إن ترك خيرا الوصية